والمراد بالملة في قوله - تعالى -: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ الدين والشريعة، ولفظ «ملة» هنا منصوب بنزع الخافض.
أي: ما جعل عليكم - أيها المؤمنون - في دينكم من حرج، كما لم يجعل ذلك - أيضا - في ملة أبيكم إبراهيم.
ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل دل عليه ما قبله من نفى الحرج بعد حذف المصدر المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. أي: وسع عليكم في دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم.
ووصف - سبحانه - إبراهيم - عليه السلام - بالأبوة لهذه الأمة، لأن رسول هذه الأمة صلّى الله عليه وسلّم ينتهى نسبه إلى إبراهيم، ورسول هذه الأمة صلّى الله عليه وسلّم كالأب لها، من حيث إنه صلّى الله عليه وسلّم جاءها من عند ربه - عز وجل - بما يحييها ويسعدها.
والضمير «هو» في قوله - تعالى -: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا .. يعود
إلى الله - تعالى - أي: هو - سبحانه - الذي سماكم المسلمين من قبل نزول هذا القرآن.
وسماكم - أيضا - بهذا الإسلام في هذا القرآن.
وقيل: الضمير «هو» يعود إلى إبراهيم أي: إبراهيم هو الذي سماكم المسلمين.
ومن وجوه ضعف هذا القول: أن الله - تعالى - قال: وَفِي هذا أي سماكم المسلمين.
في هذا القرآن، وإبراهيم - عليه السلام - لحق بربه قبل نزول هذا القرآن بأزمان طويلة، وأيضا فإن السياق يؤيد أن الضمير «هو» يعود إلى الله - تعالى - لأن الأفعال السابقة كقوله هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ تعود إليه - عز وجل - .
ثم بين - سبحانه - أسباب هذا الاجتباء والاصطفاء فقال: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ.
والمراد بشهادة الرسول على أمته: الإخبار بأنه قد بلغهم رسالة ربه.
والمراد بشهادة هذه الأمة على غيرها من الناس: الإخبار بأن الرسل الذين أرسلهم الله - تعالى - إلى هؤلاء الناس، قد بلغوهم رسالة ربهم، ونصحوهم بإخلاص العبادة لله وحده.
ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: