والثالث: أنهم قالوا ذلك لما رأوه أنه دعا الفراعنة والجبابرة إلى دينه واتباعه، وأظهر لهم الخلاف، واستقبلهم بما يكرهون، وكانت عادتهم القتل وإهلاك من يظهر لهم الخلاف، فخاطر بذلك، فعند ذلك قالوا: إنه شقي؛ حيث يخاطر بنفسه، فقال: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) على ما يقول أُولَئِكَ، بل أنزله عليك؛ لتسعد حيث أخبر أنه عصمه بقوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) . أو ألا يفسر ولا يذكر ذلك الأمر والسبب الذي به نزل؛ لأنه لم يبيِّن، ولا حاجة بنا إلا إلى معرفة ما ذكر، وهو قوله: (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) ، أي: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) ، بل أنزلناه لتسعد، وأنزلناه ليتذكر به من يخشى، كقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى(3) أي: عظة لمن يتقى ما به يخشى.
ويحتمل قوله: (لِمَنْ يَخْشَى) : كل مؤمن؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه الخشية منه والاتقاء من نقمته وعذابه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى(4)
كأن هذا نزل على إثر قول قاله أُولَئِكَ الكفرة، وهو ما قالوا: إنه ساحر، وإنه مفتر، وإنه شاعر وإنما يعلمه بشر ونحوه، فقال جوابًا لقولهم: (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى) وليس كما يقول أُولَئِكَ: إنه ساحر وإنه مفتر وإنما يعلمه بشر، بل تنزيلًا ممن خلق الأرض والسماوات العلا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5)
قال الشيخ - رحمه اللَّه -: القول بالكون على العرش - وهو موضع - بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة لا يعدو عن إحاطة ذلك به أو الاستواء أو مجاوزته عنه أو إحاطته: