يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاضْمُمْ يَا مُوسَى يَدَكَ، فَضَعْهَا تَحْتَ عَضُدِكَ، وَالْجَنَاحَانِ هُمَا الْيَدَانِ، كَذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هُمَا الْجَنْبَانِ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَسْتَشْهِدُ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
أَضُمُّهُ لِلصَّدْرِ وَالْجَنَاحِ
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: {إِلَى جَنَاحِكَ} قَالَ: كَفَّهُ تَحْتَ عَضُدِهِ
وَقَوْلُهُ: {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ}
ذُكِرَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ رَجُلًا آدَمَ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ، مِثْلَ الثَّلْجِ، ثُمَّ رَدَّهَا، فَخَرَجَتْ كَمَا كَانَتْ عَلَى لَوْنِهِ.
وَقَوْلُهُ: {آيَةً أُخْرَى}
يَقُولُ: وَهَذِهِ عَلَامَةٌ وَدِلَالَةٌ أُخْرَى غَيْرَ الْآيَةِ الَّتِي أَرَيْنَاكَ قَبْلَهَا مِنْ تَحْوِيلِ الْعَصَا حَيَّةً تَسْعَى عَلَى حَقِيقَةِ مَا بَعَثْنَاكَ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ لِمَنْ بَعَثْنَاكَ إِلَيْهِ. وَنَصَبَ آيَةً عَلَى اتِّصَالِهَا بِالْفِعْلِ، إِذْ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا مَا يَرْفَعُهَا مِنْ هَذِهِ أَوْ هِيَ.
وَقَوْلُهُ: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاضْمُمْ يَدَكَ يَا مُوسَى إِلَى جَنَاحِكَ، تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، كَيْ نُرِيَكَ مِنْ أَدِلَّتِنَا الْكُبْرَى عَلَى عَظِيمِ سُلْطَانِنَا وَقُدْرَتِنَا.
وَقَالَ: الْكُبْرَى، فَوَحَّدَ، وَقَدْ قَالَ: {مِنْ آيَاتِنَا} كَمَا قَالَ: {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ هُنَالِكَ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِنَّمَا قِيلَ الْكُبْرَى، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا التَّقْدِيمُ، كَأَنَّ مَعْنَاهَا عِنْدَهُ: لِنُرِيَكَ الْكُبْرَى مِنْ آيَاتِنَا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 16/}