فإذا ما اشتدت حرارة الشمس ولم يجد ظلالاً غرز عصاه في الأرض ، وألقى بثوبه عليها فجعل منها مثل الخيمة أو المظلة تقيه حرارة الجو . فإن احتاج للماء ذهب للبئر ، وربما وجده غائر الماء لا يبلغه الدلو فيحتاج للعصا يربطها ويُطيل بها الحبل ، إلى غير ذلك من المنافع .
وبعض العلماء يقولون: لقد كان موسى عليه السلام ينتظر أن يسأله ربه عن هذه المآرب ليطيل الحديث معه ، لكن الحق سبحانه لم يسأله عن ذلك ؛ لأنه سينقله إلى شيء أهم من مسألة العصا ، فما ذكْرتَه يا موسى مهمة العصا معك ، أمّا أنا فأريد أنْ أخبرك بمهمتها معي:
ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ أَلْقِهَا يا موسى}
ارْم بها على الأرض ، وهو هنا إلقاء الدُّرْبة والتمرين على لقاء فرعون ، وهنا خرجت العصا عن ناموسها الذي يعلمه موسى عليه السلام ، لم تعد للتوكؤ والهش على الغنم ، ولكنها تنتقل من جنس الخشب إلى جنس الحيوان فتصير حية ، قال الحق سبحانه: {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ}
وهذه نَقْلة كبيرة في مسألة العصا ، فقد كان في الإمكان لإثبات المعجزة أنْ تتحوَّل العصا ، وهي عود جاف من الخشب إلى شجرة خضراء ، لكن الحق تبارك وتعالى يُجرِي لموسى هذه المعجزة ؛ لأنه سيحتاج إليها فيما بعد ، ولو تحولتْ العصا إلى شجرة خضراء فسوف تستقر في مكانها ، أما حين تتحول إلى حيّة فهي حيوان مُتحَرِّك ، تجري هنا وهناك ، وهذا ما سيحتاجه موسى في معركته القادمة .
ألقى موسى عصاه {فَإِذَا هِيَ} [طه: 20] إذا هنا فجائية كما تقول: خرجتُ فإذا أسدٌ بالباب . وحينما ألقى موسى العصا سرعان ما تحولت وهي جافة يابسة إلى حيّة ، وحيّة تسعى ليستْ جامدة ميتة ، أليست هذه مفاجأة؟
وطبيعي أن يخاف موسى عليه السلام مما رآه ، فطمأنه ربه فقال: {قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ}