ثم يقول الحق سبحانه: {كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ}
كلا: أداة لنفي ما قيل قبلها وإبطاله ، أي: قوله: {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً} [مريم: 7778] ثم يأتي ما بعد كلا حُجة ، ودليلاً على النفي .
وقد ورد هذا الحرف (كَلاَّ) في قوله تعالى: {فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ * كَلاَّ} [الفجر: 1517] .
فالحق تبارك وتعالى ينفي الكلام السابق ؛ لأن النعمة وسَعَة الرزق ليست دليلَ إكرام ، كما أن الفقر وضِيق الرزق ليس دليلَ إهانةٍ ، فكلاهما ابتلاء واختبار كما أوضحتْ الآيات ، فإتيان النعمة في حَدِّ ذاته ليس هو النعمة إنما النعمة هي النجاح في الابتلاء في الحالتين .
فقد يعطيك الله المال فلا تصرفه فيما أحلَّ الله ، فيكون لك فتنة وتخفق في الاختبار ، إذن: لم يكرمك بالمال ، بل جعله لك وسيلة إغواء وإغراء ، فبيدك يتحوَّل المال إلى نعمة أو نقمة ، ويكون إكراماً أو إهانة .
وقوله تعالى:
{سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً} [مريم: 79] .
لقد جاءت كلمة (سَنَكْتُبُ) حتى لا يؤاخذه سبحانه وتعالى يوم القيامة بما يقول هو إنه فعله ، ولكن بما كتب عليه وليقرأه بنفسه ، وليكون حجة عليه ، كأن الكتابة ليست كما نظن فقط ، ولكنها تسجيل للصوت وللأنفاس ، ويأتي يوم القيامة ليجد كل إنسان ما فعله مسطوراً .