والخطابُ في قولِه"منكمْ"يَحْتمل الالتفاتَ وعدمَه . قال الزمخشري:"التفاتٌ إلى الإِنسان ، ويَعْضُدُه قراءةُ ابن عباس وعكرمةَ"وإنْ منهم"أو خطابٌ للناس مِنْ غير التفاتٍ إلى المذكور".
والحَتْمُ: القضاءُ والوجوبُ . حَتَمَ ، أي: أوجب [وحَتَمَه] حتماً ، ثم يُطلق الحتم على الأمر المحتوم مقوله تعالى:"هذا خَلْقُ الله"و"هذا دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأميرِ". و"على ربِّك"متعلِّقٌ ب"حَتْم"لأنه في معنى اسمِ المفعول ، ولذلك وصَفَه ب"مَقْضِيَّاً".
{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) }
وقرأ العامَّةُ {ثُمَّ نُنَجِّيْ} بضمِّ"ثمَّ"على أنَّها العاطفةُ وقرأ عليٌّ بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباسٍ وأُبيُّ والجحدريُّ ويعقوبُ"ثَمَّ"بفتحها على أنها الظرفيةُ ، ويكون منصوباً بما بعده ، أي: هناك نُنَجِّي الذين اتَّقَوا .
وقرأ الجمهور"نُنَجِّيْ"بضم النونِ الأولى وفتحِ الثانية وتشديدِ الجيم ، مِنْ"نجَّى"مضعفاً . وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن"نُنْجِي"مِنْ أَنْجى . والفعلُ على هاتين مضارعٌ .
وقرأَتْ فِرقةٌ"نُجِّيْ"بنونٍ واحدةٍ مضمومةٍ وجيمٍ مشددة . وهو على هذه القراءةِ ماضٍ مبني للمفعول ، وكان مِنْ حق قارئها أن يفتحَ الياءَ ، ولكنه سكَّنه تخفيفاً . وتحتمل هذه القراءةُ توجيهاً آخرَ سيأتي في قراءة متواترةٍ آخرَ سورةِ الأنبياء . وقرأ عليُّ بن أبي طالب أيضاً"نُنَجِّي"بحاءٍ مهملة ، من التَّنْحِيَة .
ومفعول"اتَّقوا"إمَّا محذوفٌ مرادٌ للعلمِ به ، أي: اتَّقُوا الشركَ والظلمَ .
قوله: جِثِيَّا"إمَّا مفعولٌ ثانٍ إنْ كان"نَذَرُ"يتعدَّى لاثنين بمعنى نترك ونُصَيِّر ، وإمَّا حالٌ إنْ جَعَلْتَ"نَذَرُ"بمعنى نُخَلِّيْهم . و"جِثِيَّاً"على ما تقدَّم ."