وتقديم الفصل هنا فِي أمر أصحاب النار ، على الفصل فِي أصحاب الجنة ، هو الذي تجئ عليه أحداث القيامة يومئذ ، حيث يؤتى بالمجرمين أولا. ثم يقضى فيهم بدخول النار .. ثم يجاء بالمؤمنين فيقضى فيهم بدخول الجنة ..
وحكمة هذا ، هي أن يعجل لأهل النار بالنار ، حتى تنقطع آمالهم من أول الأمر ، بأن لا مكان لهم فِي الجنة ، وأن لا مطمع لهم فِي أن يكونوا من الناجين ، وذلك مما لا يتحقق ، لو بدئ بالفصل فِي أصحاب الجنة ، حيث يعيش المجرمون لحظات تداعبهم فيها الآمال ، وتتحرك فِي نفوسهم الأطماع أنهم قد يكونون فِي هؤلاء الآخذين طريقهم إلى الجنة ، وأن دورهم لم يأت بعد ، كما يقول سبحانه:
« وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ .. وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ .. لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ » (46: الأعراف) .
وفى تقديم الفصل فِي أصحاب النار على الفصل فِي أصحاب الجنة ، جاء قوله تعالى: « وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِي ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً .. » (69 - 73: الزمر) .