أحدها أن انقضاص الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة وذكروا فيه أن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس فإذا بلغ كرة النار التي دون الفلك احترق بها فتلك الشعلة هي الشهاب.
وقد يبقى زماناً مشتعلاً إذا كان كثيفاً وربما حميت الأدخنة في برد الهواء للتعاقب فانضغط مشتعلة ، وجاء أيضاً في شعر الجاهلية قال بشر بن أبي حازم:
والعير يلحقها الغبار وجحشها...
ينقض خلفهما انقضاض الكوكب
وقال أوس بن حجر:
وانقض كالدرى يتبعه...
نقع يثور تخاله طنبا
إلى غير ذلك.
وثانيها ان هؤلاء الشياطين كيف يجوز فيهم أن يشاهدوا ألوفاً من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون ثم انهم مع ذلك يعودون لصنيعهم فإن من له أدنى عقل إذا رأى هلاك أبناء جنسه من تعاطى شيء مراراً امتنع منه.
وثالثها أن يقال: إن ثخن السماء خمسمائة عام فهؤلاء الشياطين إن نفذوا في جرمها وخرقوها فهو باطل لنفى أن يكون لها فطور على ما قال سبحانه: {فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ} [الملك: 3] وإن كانوا لا ينفذون فكيف يمكنهم سماع أسرار الملائكة عليهم السلام مع هذا البعد العظيم.
ورابعها ان الملائكم عليهم السلام إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقفوها بالوحي ، وعلى التقديرين لم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا تتمكن الشياطين من الوقوف عليها؟
وخامسها أن الشياطين مخلوقون من النار والنار لا تخرق النار بل تقويها فكيف يعقل زجرهم بهذه الشهب؟
وسادسها أنكم قلتم: إن هذا القذف لأجل النبوة فلم دام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ؟
وسابعها أن هذه الشهب إنما تحدث بقرب الأرض بدليل أنا نشاهد حركاتها ولو كانت قريبة من الفلك لما شاهدناها كما لم نشاهد حركات الأفلاك والكواكب ، وإذا ثبت أنها تحدث بالقرب من الأرض فكيف يقال: إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك؟