وجاء في بعض الآثار أن أصغر النجوم كالجبل العظيم واستظهر أبو حيان عود الضمير للبروج لأنها المحدث عنها والأقرب في اللفظ والجمهور على ما ذكرنا حذراً من انتشار الضمائر {للناظرين} أي بأبصارهم إليها كما قاله بعضهم لأنه المناسب للتزيين ، وجوز أن يراد بالتزيين ترتيبها على نظام بديع مستتبعاً للآثار الحسنة فيراد بالناظرين المتفكرون المستدلون بذلك على قدرة مقدرها وحكمة مدبرها جل شأنه.
{وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ}
مطرود عن الخيرات ، ويطلق الرجم على الرمي بالرجام وهي الحجارة ، فالمراد بالرجيم المرمي بالنجوم ، ويطلق أيضاً على الإهلاك والقتل الشنيع ، والمراد بحفظها من الشيطان اما منعه عن التعرض لها على الإطلاق والوقوف على ما فيها في الجملة فالاستثناء في قولبه تعالى:
{إِلاَّ مَنْ استرق السمع}
متصل ، وإما المنع عن دخولها والاختلاط مع أهلها على نحو الاختلاط مع أهل الأرض فهو حينئذ منقطع ، وعلى التقديرين محل {مِنْ} النصب على الاستثناء ، وجوز أبو البقاء.
والحوفي كونه في محل جر على أنه بدل {مِن كُلّ شيطان} [الحجر: 17] بدل بعض من كل واستغنى عن الضمير الرابط بالا.
واعترض بأنه يشترط في البدلية أن تكون في كلام غير موجب وهذا الكلام مثبت.
ودفع بأنه في تأويل المنفى أي لم نمكن منها كل شيطان أو نحوه وأورد أن تأويل المثبت في غير أبي ومتصرفاته غير مقيس ولا حسن فلا يقال مات القوم إلا زيد بمعنى لم يعيشوا ، ولعل القائل بالبدلية لا يسلم ذلك ، وقد أولوا بالمنفي قوله تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً} [البقرة: 249] وقوله عليه الصلاة والسلام:"الناس هلكى إلا العالمون"والخبر وغير ذلك مما ليس فيه أبى ولا شيء من متصرفاته لكن"الانصاف"ضعف هذه البدلية كما لا يخفى.