كأنَّه كوكبٌ في إِثْرِ عِفْرِيَةٍ ...
مُسَوَّم في سوادِ الليل مُنْقَضِبُ
والثاني: أنه قد كان ذلك قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ، فروى مسلم في"صحيحه"من حديث علي بن الحسين عن ابن عباس قال:"بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه ، إِذ رمي بنجم ، فاستنار ، فقال:"ما كنتم تقولون إِذا كان مثل هذا في الجاهلية"؟ قالوا كنا نقول: يموت عظيم ، أو يولد عظيم ، قال:"فإنها لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته ، ولكنْ ربُّنا إِذا قضى أمراً ، سبَّح حملة العرش ، ثم سبَّح أهل السماء الذين يلونهم ، حتى يبلغ التسبيح أهلَ هذه السماء ، ثم يستخبر أهل السماء السابعة حملةَ العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ، ثم يستخبر أهلُ كل سماءٍ أهلَ سماءٍ ، حتى ينتهي الخبر إِلى هذه السماء ، وتخطف الجن ويُرمَون ، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ، ولكنهم يقرِفون فيه ويزيدون""
وروي عن ابن عباس أن الشاطين كانت لا تُحجب عن السماوات ، فلما وُلد عيسى ، مُنعتْ من ثلاث سموات ، فلما وُلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مُنعوا من السماوات كلِّها.
وقال الزهري: قد كان يرمى بالنجوم قبل مبعث رسول الله ، ولكنها غُلِّظت حين بُعث صلى الله عليه وسلم ، وهذا مذهب ابن قتيبة ، قال: وعلى هذا وجدنا الشعر القديم ، قال بشر بن أبي خازم ، وهو جاهلي:
والعَيْرُ يَرْهَقُها الغُبارُ وجَحْشُها ...
يَنْقَضُّ خلفهما انقضاضَ الكوكبِ
وقال أوس بن حَجَر ، وهو جاهلي:
فانقض كالدِّرِّيء يتبعه ...
نقع يثور تخالهُ طُنُبا
قوله تعالى: {إلا من استرق السمع} أي: اختطف ما سمعه من كلام الملائكة.
قال ابن فارس: استرق السمع: إِذا سمع مستخفياً.
{فأتبعه} أي: لحقه {شهاب مبين} قال ابن قتيبة: كوكب مضيء.
وقيل:"مبين"بمعنى: ظاهر يراه أهل الأرض.
وإِنما يسترق الشيطان ما يكون من أخبار الأرض ، فأما وحي الله عز وجل ، فقد صانه عنهم.