وأرجو ممن يرد عليَّ أن يترك المراوغة ويجيبني بما يقنعني ويقنعه، وإلا أضعنا
الوقت سدى، ولم نصل إلى هدى.
الاستنباط من الكتاب وحده
قد أنزل الله تعالى القرآن الشريف بلسان العرب وخاطبهم فيه بما يعرفون
وبما يفهمون. فهو وحي الله إليهم مباشرة وإلى العالمين بواسطتهم. وجميع ما فيه
مفهوم لهم بدون احتياج إلي تفسير مفسر أو تأويل مؤول. أما الأمم الأخرى التي
تأخذ القرآن عن العرب فلابد لهم من معرفة اللغة العربية معرفة تامة وكذا معرفة
أحوال العرب وعاداتهم وتاريخهم واصطلاحاتهم حتى يتيسر لهم فهم القرآن على
حقيقته. وهم غير محتاجين لمعرفة شيء آخر من أحاديث أو ناسخ أو منسوخ أو
قصص أو غير ذلك مما لم أذكره هنا.
وبالاختصار: إن العرب لا تحتاج إلى شيء مطلقًا لفهم القرآن. وغيرهم لابد
له أن يقدر على فهمه. أعني أن يصير مثل العرب بتعلم ما ذكرت. ولذا وصفه
الله تعالى بكونه لسانًا عربيًّا مبينًا , فلا يرد فيه لفظ لا تعرفه العرب أو اصطلاح لم
يعهدوه إلا إذا ذكر ما يفسره، إذا عرفت هذا فاعلم أن اصطلاحات القرآن قسمان:
اصطلاحات كانت مستعملة بين العرب قبل نزوله مثل لفظ الحج والإحرام،
والبحيرة والسائبة وغيرها , واصطلاحات جديدة لم تكن تعرفها من قبل كلفظ
الصلاة والزكاة وغيرهما.
أما القسم الأول، فإذا ذكر الله تعالى منه شيئًا فلا يفسره؛ لأنه معروف
ولذلك لم يبين القرآن معنى الإحرام مثلاً ولا كيفيته، وإنما ذكر ما يدل على وجوبه.
قال تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ
تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (البقرة: 196) فإذا سمع العربي هذا
الكلام فهم أن المراد بقوله: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ ... } (البقرة: 196) في
هذا المقام النهي عن التحلل قبل بلوغ الهدي إلى المكان الذي يحل فيه ذبحه، وهذا
يدلنا على أن الإحرام واجب، ولذلك نهى عن قتل الصيد فيه وشدّد العقوبة على من
فعل ذلك وتوعده. ولو لم يكن واجبًا لما كانت كل هذه العناية به. قال تعالى: يَا