العناء والتعب في لمها وتمحيصها وهم لم يصلوا إلى النتيجة المرغوبة ولن يصلوا،
وكانوا يصرفون همتهم هذه إلى شئ آخر.
واعلم أن زبدة ما أجاب به الأستاذ عما ذكرناه من الفروق بين الكتاب والسنة
بعد طول المناقشة هي قوله:(إن المدار في القطع بالقرآن هو التواتر اللفظي لا
غيره مما ذكرت)ونقول: إن القرآن لا شك أنه متواتر لفظًا ومعنًى وكتابةً، وهب
أن المدارعلى التواتر اللفظي فقط فأي شئ من السنة وصلنا بمثل ذلك إلا ما شذ
وندر؟ وهل يفيدنا ذلك اليسير من السنة المتواترة في شيء من ديننا أو دنيانا؟!
الكلام هنا لا يشمل التواتر العملي ككيفية الصلاة وعدد ركعاتها؛ لأن الأستاذ
ينكر علينا قيمة ما عدا التواتر اللفظي كما يفهم من كلامه. وإذا سلم قيمة التواتر
العملي فالقرآن أيضًا متواتر عملاً في كيفية كتابته، ولذلك حافظ المسلمون على
رسم الصحابة له إلى اليوم، وإذا كان ينكر فائدة التواتر العملي، فبِمَ يعرف عدد
ركعات الصلاة مثلاً؟ وهل وصله حديث واحد في ذلك متواتر لفظه؟
الحق أقول: لو كانت السنة واجبة وكانت الشطر الثاني للدين لحافظ النبي
عليها هو وأصحابه حتى تصل إلينا كما وصل إلينا القرآن بدون نزاع ولا خلاف،
وإلا لكان الله تعالى يريد أن يتعبدنا بالظن والظن لا قيمة له عند الله، قال تعالى:
وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ
هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (الأنعام: 116) ، وما أجمل قوله هنا: أَكْثَرَ مَن فِي
الأَرْضِ (الأنعام: 116) فسبحان ربك رب العزة عما يقولون.
ولنجمع هنا أعظم الدلائل التي نعتمد عليها في إثبات دعوانا أن السنة كانت
خاصة بمن كان في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي:
(1) لم تُكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فتكون أقرب إلى
التحريف منها إلى الضبط لو كانت كتبت في عهده.
(2) نهى صلى الله عليه وسلم عن كتابة شيء عنه سوى القرآن الشريف
ولا يمكن تفسير ذلك تفسيرًا مقنعًا بغير ما ذهبنا إليه.
(3) لم تجمعها الصحابة بعد عصره في كتاب لينشر في الآفاق، ولم