إن هذه الآية تتناولها مع أن الاعتبار الوجودي يكذبنا لا يؤيدنا. فإنه مع عناية
المسلمين بها قد تطرق إليها جميع أنواع التحريف بالزيادة والنقص والتبديل، ولا
يمكننا مهما بحثنا في تاريخ الرواة وغيره أن نجزم بشيء منها إلا ما تواتر وقليل
هو؛ لأن الكذاب أو الضعيف أو المطعون فيه بوجه ما قد يروي أحيانًا ما هو حق
وصدق فلا نقبله منه فيحصل النقص في السنة!
وكذلك الثقة قد يخطئ أو يكون ممن تظاهر بالصلاح والاستقامة حتى غرنا
فنأخذ الحديث عنه والرسول بريء منه , فيحصل بسبب ذلك التبديل والزيادة في
السنة. فهي أشبه شيء بكتب أهل الكتاب , وما نشأ ذلك إلا من عدم كتابتها في
عهد النبي عليه السلام وعدم حصر الصحابة لها في كتاب وعدم تبليغها للناس
بالتواتر وعدم حفظهم لها جيدًا في صدورهم حتى أباحوا نقلها بالمعنى واختلفت
الرواية عنهم لفظًا ومعنًى!
فلو كانت السنة واجبة في الدين لأُمروا أن يعاملوها معاملة القرآن , حتى
نأمن عليها من التبديل والزيادة والنقصان , والذي نراه أن ما أجاب به الأستاذ عن
هذه المسائل ليس إلا من قبيل المراوغة في البحث تخلصًا من شدة وقْعها على
النفس كما يتضح ذلك لمن طالع ما كتبه وكتبناه من العقلاء المنصفين , وهنا نريد
أن نسأل حضرته سؤالاً وهو: لماذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة أقواله
في صحف على حدتها، ولأجل التمييز بينها وبين القرآن يكتب عليها ما يفيد أنها
أقوال الرسول ويأمر أصحابه بحفظها وتبليغها للناس بالتواتر كما بلغوا القرآن حتى
يصل إلينا كتابان لا نزاع فيهما ولا اختلاف؟!
وهَبْ أنه مع العناية التامة بتمييزهما عن بعضهما وبلغت بعض عبارات
الرسول درجة الإعجاز فدخلت في القرآن أو دخل شئ من القرآن فيها وحفظ
الاثنان بدون أن يختلط بهما شيء أجنبي عنهما حتى وصلا إلينا بالتواتر وبدون أن
ينقص منهما شيء - ولو أنهما اختلطا ببعضهما شيئًا قليلاً - أليس ذلك أخف
ضررًا من ضياع بعض السنة وعدم الجزم بأكثر ما بقي منها مع العلم بأنها شطر
الدين الثاني كما يزعمون؟ وبذلك كان المسلمون يستريحون في القرون الأولى من