قال حفظه الله:(إن كل ما يجري على لسان الرسول أو يبدو من عمله إنما
هو بالوحي السماوي أو الإلهام الإلهي الصادق)وهذه العبارة على إطلاقها غلط لا
نوافقه عليها؛ لأن بعض أعمال الرسول وأقواله كانت باجتهاد منه عليه السلام ولم
تكن وحيًا مطلقًا، وقد عوتب في بعضها؛ لأن الله تعالى لم يقره على غير الصواب
والكمال وما كنا نظن أن حضرة الأستاذ نسي ذلك أو تناساه مع أن القرآن الشريف
شهد به وكذلك الأحاديث الصحيحة المعتبرة عنده؛ فلذا نلفت نظره إلى ما ذكره
المفسرون في مثل قوله تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي
الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ (الأنفال: 67) وقوله: عَفَا
اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (التوبة: 43) ،
وقوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الأَعْمَى} (عبس: 1 - 2) وإلى غير ذلك
من الآيات. حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يبكي بكاءً شديدًا من بعض هذه
العتابات. وقد ورد في الحديث أيضًا أن النبي نهى عن تأبير النخل، ولما علم
بضرر ذلك رجع عنه وقال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) فالعصمة لله ولكتابه الذي لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وأما قوله تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ
شَدِيدُ الْقُوَى (النجم: 3 - 5) - فذلك في شأن القرآن خاصة وهو الذي لا يجوز
أن يخطئ فيه مطلقًا.
ثم قال الأستاذ ما معناه: إن السنة إجمالاً متواترة وإنها مقطوع بها كالكتاب،
ونقول إن أفراد السنة لم يتواتر منها شيء إلا ما كان يعد على أصابع اليد. وإذا لم
تكن أفرادها متواترة إلا القليل فلا فائدة في القول بأنها متواترة إجمالاً، بل ولا
معنى له ولا يغنينا ذلك من الحق شيئًا. ولم نسمع أحدًا غيره يقول إنها بالجملة
مقطوع بها كالكتاب.
وقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9) هو
في شأن القرآن كما يدل عليه ما قبله، ولم تُسَمَّ السنة بالذكر مطلقًا. وكيف نقول: