غيرها يدلنا على مأخذ هذا الحجر وتاريخه، وقد شوهد أن النبي قبَّل هذا الحجر
وكذا الركن اليماني ولم يقبّل الركنين الآخرين؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم،
وهذا العمل هو ضرب من ضروب العبادة والتذلل لله تعالى وحده كوضع الساجد
وجهه على الأرض خضوعًا لله وانكسارًا مع العلم بأن الحجر والأرض لا قيمة لهما
بالمرة، ولولا سقوط منزلتيهما لَمَا كان هناك تعبُّد في وضع الوجه عليهما، ولم
يأت معنى التعبد إلا لوضع أشرف عضو في الإنسان على هذين الشيئين الحقيرين
تعظيمًا لله كمن يُقَبِّلُ أعتاب الملوك أو ذيل ثيابهم؛ ولذلك قال عمر رضي الله عنه:
(والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يُقَبِّلُكَ مَا
قَبَّلتكَ)، ومع كل ذلك فليس التقبيل ركنًا من أركان الحج، ولم يقل أحد بوجوبه،
ولم يَرِدْ للحجر الأسود ذكر في القرآن الشريف مطلقًا ولا لبئر زمزم ولا للشرب منها
فلندع ما يهذي به الأغبياء الجاهلون من الطاعنين في الإسلام.
بقي عليَّ لإيفاء موضوعنا حقه أن أتكلم عن مسألتين أُخْرَيَيْنِ لوُرود شيء
كثير عنهما في السنة وعدم وُرود شيء في الكتاب.
(المسألة الأولى - قتل المرتد) إنه لم يرد أمر بذلك في القرآن فلا يجوز
لنا قتله لمجرد الارتداد، بل الإنسان حر في أن يعتقد ما شاء فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن
وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف: 29) وأما ما حصل من ذلك في صدر الإسلام فقد
كان لضعف المسلمين وقلة عددهم بالنسبة لأعدائهم والخوف من إفشاء أسرارهم
وإعانة العدو عليهم، وتمكينه منهم، وتشكيك ضعاف المسلمين في دينهم، أو لأن
المرتد كان ممن آذاهم وأبيح لهم دمه، فلمَّا تظاهر بالإسلام كفوا أيديهم عنه، ثم لما
عاد عادوا إليه فهذه أسباب قتل المرتد في العصر الأول، أما الآن فإن وُجدت
ظروف مثل تلك، وحصل مثل ما كان يحصل جاز لنا قتله؛ لأنه صار ممن
حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض بالفساد، قال الله تعالى:
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ
يُصَلَّبُوا (المائدة: 33) الآية.