يخبر الله تعالى في هذه الآيات عن بعض مقالات المشركين وشبهاتهم الصادرة عن كفرهم وعنادهم، فقالوا استهزاء وتهكما: يا أيها الذي تدعي نزول القرآن عليك، إنك متصف بالجنون، حينما تدعونا إلى اتباعك، وترك ما وجدنا عليه آباءنا، فلا نقبل دعوتك.
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ .. لو كنت ما تدعيه حقا وصدقا، فهلا تأتينا بالملائكة يشهدون لك بصدقك وصحة ما جئت به، ويؤيدونك في إنذارك، كما قال تعالى: أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [الفرقان 25/ 7] وقال:
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ، أَوْ نَرى رَبَّنا، لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [الفرقان 25/ 21] وحكى تعالى قول فرعون في شأن موسى: فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ [الزخرف 43/ 53] .
فأجابهم تعالى عن المقالة الثانية بقوله: ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي
لا ننزل الملائكة إلا بحق وحكمة ومصلحة نعلمها، ولا حكمة في أن تأتيكم عيانا تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار، وهم من غير جنسكم ولا على صورتكم فيلتبس الأمر عليكم إذ لكل جنس هاد من جنسه، كما قال تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً، لَجَعَلْناهُ رَجُلًا، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [الأنعام 6/ 9] .
وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ أي ولو نزلنا الملائكة لكان ذلك إنزالا للهلاك والعذاب، وما أخر عنهم العذاب ساعة لأن سنتنا أننا إذا أنزلنا آية كما يقترح الناس ولم يؤمنوا بها، أتبعنا ذلك بعذاب الاستئصال، فكان في إنزال الملائكة ضررا محققا لهم، لا نفعا.