وقال الشيخ عبد الكريم الخطيب:
وقوله تعالى: « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ »
هو ردّ على هؤلاء المشركين الذين سخروا من النبيّ بقولهم: « يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ » فجاء قوله تعالى: « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ » كبتا لهؤلاء المشركين ، وردعا لهم ، وإعلانا بما يملأ صدورهم حسدا وحسرة .. فقد أبوا إلا أن يجهلوا الجهة التي يقول النبيّ إنه تلقّى الذّكر منها ، فقالوا « نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ » ولم يقولوا - ولو على سبيل الاستهزاء - نزّل اللّه عليه الذكر .. فجاءهم قول الحق جلّ وعلا: « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ » بهذا التوكيد القاطع .. ثم جاء قوله تعالى « وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » مؤكدا لهذا التوكيد .. إذ أنه سبحانه هو الذي يتولى حفظه من كل عبث ، وصيانته من كل سوء .. وهذا هو الدليل القاطع على أنه منزّل من عند اللّه .. فليحاولوا أن يبدّلوا من صورته ، أو يدسّوا عليه ما ليس منه .. فإنهم لو فعلوا ، لكان لهم من ذلك حجة على أن ليس من عند اللّه! وقد حفظ اللّه القرآن الكريم ، هذا الحفظ الربانيّ ، الذي أبعد كلّ ريبة أو شكّ فِي هذا الكتاب ، فلم تمسسه يد بسوء ، على كثرة الأيدى التي حاولت التحريف والتعديل ، فردّها اللّه ، وأبطل كيدها وتدبيرها .. وهكذا ظلّ القرآن الكريم ، وسيظل إلى يوم البعث ، حمى اللّه الذي تحرسه عنايته ، وتحفظه قدرته ، فلم تنخرم منه كلمة ، أو يتبدل منه حرف .. وتلك حقيقة يعلمها أولو العلم من خصوم الإسلام ، كما يؤكدها تاريخ القرآن الكريم ، الذي تولّى النبيّ الأمى كتابته فِي الصحف ، كما تولّى غرسه فِي صدور المؤمنين .. كلمة كلمة ، وآية آية ..