وقد ذكر الثّعلبيّ هذا الخبر بمعناه ، وأن الجبَّار هو النّمرود الذي حاجّ إبراهيم في ربّه ، وقال عِكرمة: كان معه في التابوت غلام أمرد ، وقد حمل القوس والنبل فرمى بهما فعاد إليه ملطخاً بالدماء وقال: كُفيتُ نَفْسَك إلهَ السّماء.
قال عِكرِمة: تَلطّخ بدم سمكة من السماء ، قذفت نفسها إليه من بحر في الهواء معلّق.
وقيل: طائر من الطير أصابه السّهم ثم أمر نمرود صاحبه أن يضرب العصا وأن يُنكِّس اللحم ، فهبطت النّسور بالتابوت ، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنّسور ففزعت ، وظنت أنه قد حدث بها حدث من السماء ، وأنّ الساعة قد قامت ، فذلك قوله:"وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ".
قال القُشَيريّ: وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الجبال.
وذكر الماورديّ عن ابن عباس: أن النّمرود بن كنعان بَنَى الصّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة ، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعاً ، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعاً ، وصعد منه مع النّسور ، فلما علم أنه لا سبيل له إلى السماء اتخذه حصناً ، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه ، فأتى الله بنيانه من القواعد ، فتداعى الصّرح عليهم فهلكوا جميعاً ، فهذا معنى"وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ"وفي الجبال التي عَنَى زوالها بمكرهم وجهان: أحدهما جبال الأرض.
الثاني الإسلام والقرآن ؛ لأنه لثبوته ورسوخه كالجبال.
وقال القُشَيريّ:"وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ"أي هو عالم بذلك فيجازيهم ، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف.
"وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ"بكسر اللام ؛ أي ما كان مكرهم مكراً يكون له أثر وخطر عند الله تعالى ، فالجبال مَثَل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل:"وَإنْ كَانَ مَكْرُهُمْ"في تقديرهم"لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالَ"وتؤثر في إبطال الإسلام.