والدليلُ قائمٌ واضحٌ للمؤمنينَ في القرآن والسنةِ، وما يشهدون في نفوسهم: أن للأعمالِ الصالحةِ ثوابًا في الدنيا قبل مثوبةِ الآخرةِ، ذلك هو ما يَجِدُونه في أنفسِهم من زيادةِ الهُدَى والتقوى والإيمان كلما صلَّوا، وكلما صاموا، وكلما حجُّوا، وكلما تصدَّقوا، وكلما تَلَوا القرآنَ متدبِّرين متفقِّهين، وكلما تصدَّقوا يبتغون وجهَ ربِّهم، فإنهم يُوقِنُون بقلوبِهم الحيَّةِ المتيقِّظة أن عملَهم لن يكون صالحًا إلا إذا تحرَّوا فيه القدوةَ الحسنةَ، والاهتداءَ بهَدْي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهم لذلك لا يهجمون على العمل بدون علم ولا تعقُّل، بل يبحثون أولاً عن سنةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهَدْيه في العمل، حتى يكونوا فيه على بيِّنة وبصيرةٍ، فيقومون في العملِ ونُصْبَ أعينِهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يأتَمُّون به ويهتدون بهداه، ثم هم يُوقِنُون أن العملَ لن يكون مع ذلك صالحًا حتى يُخلِصوه من قلوبِهم لله، فهم يعرفون بعقولِهم المنيرةِ بنور الحكمة والتفكُّر في كلِّ ما تقع عليه حواسُّهم أن كل مجهولٍ لا يُخَاف، ولا يُخشَى، ولا يُرغَب إليه، ولا يُرهَب منه، وأن المعرفةَ للهِ لن تحصلَ بالتقليدِ والكلمات المحفوظةِ متلقَّاةً من أفواهِ العامَّة والجمهور في الطفولة، ولو أن هذه تفيدُ معرفةً لأفادت قريشًا واليهود والنصارى وغيرهم من كل كافر ومشرك.
يقول: إن اللهَ الذي خلَق السمواتِ والأرضَ الذي يرزقُ عبادَه من السماءِ إلى الأرضِ، وهو الذي يملكُ السمعَ والأبصارَ، ويُخرِجُ الحيَّ من الميِّت، ويُخرِج الميِّت من الحيِّ، ويدبِّر الأمرَ كلَّه، كما حكى في كتابِه عن معرفةِ المشركين والكافرين.