وفي رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه عن ابن عباس قال:"أرسلني عليّ عليه السّلام إلى طلحة والزّبير بمصحف فدعوتهما إلى ما فيه وجئتهما به منشورا تقلّبه الريح ورقة ورقة فعرضت عليهما ما قال، فقالا: يا ابن عباس، ارجع إلى صاحبك فإنّه يريد ما نريد، يعنيان الإمارة، فلمّا رجعت إليه وهو يرشق بالنّبل: فقال: جعلتنا عرضا للقوم، خلّ عنّا وعنهم، قال: لا والله حتى تأتوني بقتيل فأتيناه بقتيل من أصحابه وهو يشحط دما فلمّا رآه كبّر وقال: احملوا فحملنا فلم يلبث القوم أن انهزموا".
وروى مسلم الأعور عن حبة بن جوين العرني قال:"قام عليّ عليه السّلام يوم الجمل ومعه مصحف فقال: من يأخذ هذا فيأتي به إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول، فلم يجبه أحد، فقام رجل يقال له مسلم، عليه قباء أبيض جديد، فقال: أنا، فنظر إليه ثمّ أعرض عنه ثم قال: من يأخذ المصحف فيدعوا القوم إلى ما فيه وهو مقتول، فلم يجبه أحد، وقام مسلم فقال: أنا، فأعطاه إيّاه ثمّ دعاهم فضربه رجل بالسيف فقطع يده وأخذه بيده الأخرى فقطعها، ثمّ احتضنه حتى قتل، وذكر بعض الرواة لهذه القصّة أنّ شاعر أهل العراق قال في ذلك:"
لا همّ إنّ مسلما أتاهم ... يتلو كتاب الله لا يخشاهم
فزمّلوه من دم إذ جاهم ... وأمّهم قائمة تراهم
يأتمرون الغيّ لا تنهاهم ...
يعني عائشة رضي الله عنها وأنّها أنكرت هذا الشّعر وعاتبت عليه، ولما دعاه معاوية وأهل الشّام إلى التحكيم أمر الحكمين بالرجوع إلى كتاب الله وتحكيمه من فاتحته إلى خاتمته، فكان يقول: والله ما حكّمت مخلوقا وإنّما حكّمت القرآن.
ولو كان عنده قرآن غير هذا ومصحف يجتبيه غير مصحف عثمان لكانت هذه المواطن وقت إظهاره وإعلانه والاحتجاج له وإدخال النّاس بما فيه، ولكان ذلك من أكبر الحجج على القوم وأشدّها كشفا لباطلهم وتنفير النّاس عنهم، وكان ذلك لعليّ من تحكيمه وإظهاره لصحابته والرّضا بما فيه، وقد زالت التقية وشهّرت السّيوف ووقعت المكاشفة والمكاسرة.