وسبق لهم أن تلمَّسُوا في هذا القرآن هناتٍ ؛ فلم يجدوا ، فكيف يَصِفون مَنْ نُزِّل عليه هذا القرآن بالجنون ؛ وهم الذين شهدوا له من قَبْل بالصدق والأمانة .
وقد شاء الحق سبحانه أن يُنصِف رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]
وهم في اتهامهم للرسول صلى الله عليه وسلم لم يلتفتوا إلى أنهم قد خاطبوه بقولهم: (يا أيها) ، وهو خطاب يتطابق مع نفس الخطاب الذي يخاطبه به الله ؛ وهكذا أجرى الحق سبحانه على ألسنتهم توقيراً واحتراماً للرسول صلى الله عليه وسلم دون أنْ يشعروا ، وذلك من مشيئته سبحانه حين يُنطِق أهل العناد بالحق دون أن يشعروا .
فقد قال الحق سبحانه عن المنافقين أنهم قالوا: {لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ ...} [المنافقون: 7]
أي: لا تنفقوا على مَنْ عند النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى يجوعوا ، فينفضوا من حوله . وهم يقولون عنه"رسول الله"، فهل آمنوا بذلك؟ أم أن هذا من غلبة الحق؟
ويتابع سبحانه ما جاء على ألسنتهم: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة ...}
ونعلم أن في اللغة ألفاظاً تدل على الحَثِّ وعلى رغبة المُتكلِّم في أن يُوجد السامع ما بعدها ، ومن هذه الألفاظ"لولا"و"لوما". و"لولا"تجئ للتمنِّي ورغبة ما يكون بعدها ، وإن كان ما بعدها نفياً فهو رغبة منك ألا يكون ، مثل قولك"لو جاء زيد لأكرمته"لكن لمجيء لم يحدث ، وكذلك الإكرام .
وقد قال الكفار هنا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة ...} [الحجر: 7]
وسبق لهم أنْ قالوا: {... لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} [الفرقان: 7]
وكأنهم يطلبون نزول ملَك مع الرسول ليُؤنسه ولِيُصدّقوا أنه رسول من عند الله ، فهل كان تصديقهم المُعلَّق على هذا الشرط ؛ تصديقاً للرسول ، أم تصديقاً للملك؟