وما دام الحق سبحانه قد قال: {... كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُورا} [الإسراء: 58]
فهو يُعلّم بعضاً من خلقه بعضاً من أسراره ، فلا مانعَ من أن نرى بعضاً من تلك الأسرار على ألسنتهم . وحين ذاعت تلك الحكاية ، وقالوها للرئيس الذي كان موجوداً ، وقالوا له: أنت من جهينة وهم يقصدونك . صُودِر تفسير النسفي .
إذن: فقد ترك الحق سبحانه لنا في الدنيا مثلاً يؤكد صِدْقه فيما يحكيه عن الوعيد لبعض القرى حتى نُصدّق ما يمكن أن يكون بعد يوم القيامة . وحين يقول الحق سبحانه: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} [الحجر: 4]
فليس لأحد أن يقول:"إن ذلك لم يحدث للبلد الفلاني"لأن كُلَّ أَمْر له أجَل .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}
أي: أنه سبحانه قد جعل لكل أمة أجلاً ، وغاية ، فإذا ما انتهى الأجل المعلوم جاءتْ نهايتها ؛ فلا كائنَ يتقدّم على أجله ، ولا أحدَ يتأخر عن موعد نهايته .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَقَالُواْ يا أَيُّهَا الذي نُزِّلَ ...}
وهم هنا يسخرون من الرسول ومن القرآن ؛ ذلك أنهم لو كانوا يؤمنون بالقرآن وبالرسول ؛ لَمَا وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون . والذين قالوا ذلك هم أربعة من كبار الكفار: عبد الله بن أبي أمية ، والنضر بن الحارث ، ونوفل بن خويلد ، والوليد بن المغيرة . وقيل عن ابن عباس: إنهم الوليد بن المغيرة المخزومي ؛ وحبيب بن عمرو الثقفي . وقيل عن مجاهد: إنهم عتبة بن ربيعة ، وكنانة بن عبد ياليل .
والظاهر من قولهم هو التناقض الواضح ؛ فَهُمْ شاءوا أم أبَوْا يعترفون بالقرآن بأنه"ذِكْر"، والذِّكْر في اللغة له عدة مَعَانٍ ، منها الشرف ، وقد أُطلِق على القرآن ، كما قال الحق سبحانه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44]