فقد تبين ان من الانتقام ما يبتنى على الاحساس وهو الانتقام الفردى الذي غايته التشفي ومنه ما يبتنى على العقل وهو الانتقام الاجتماعي الذي غايته حفظ النظام وهو من حقوق المجتمع وان شئت قلت من حقوق السنة أو القانون الجارى في المجتمع فان استقامة الأحكام المعدلة لحياة الناس وسلامتها في نفسها تقتضي مؤاخذة المجرم المتخلف عنها وإذاقته جزاء سيئته المر فهو من حقوق السنة والقانون كما انه من حقوق المجتمع .
إذا عرفت هذا علمت ان ما ينسب إليه تعالى في الكتاب والسنة من الانتقام هو ما كان حقا من حقوق الدين الإلهى والشريعة السماوية وان شئت فقل من حقوق المجتمع الإسلامي وان كان ربما استصحب الحق الفردى فيما إذا انتصف سبحانه للمظلوم من ظالمه فهو الولى الحميد .
واما الانتقام الفردى المبنى على الاحساس لغايه التشفي فساحته المقدسة اعز من أن يتضرر بإجرام المجرمين ومعصية المسيئين أو ينتفع بطاعة المحسنين .
ومن هنا يظهر سقوط ما ربما استشكله بعضهم ان الانتقام انما يكون لتشفى القلب واذ كان تعالى لا ينتفع ولا يتضرر بشيء من اعمال عباده خيرا أو شرا طاعة أو معصية فلا وجه لنسبة الانتقام إليه كما ان رحمته غير المتناهية تأبى ان يعذبهم بعذاب خالد غير متناه كيف لا ؟ والواحد من أرباب الرحمة يرحم المجرم المقدم على أي معصية إذا كان عن جهالة منه وهو تعالى يصف الإنسان وهو مخلوقه المعلوم له حاله بذلك إذ يقول:"إنه كان ظلوما جهولا"الأحزاب 72 .