وهكذا أكَّدوا لأنفسهم أنه لا بَعْث من بَعْد الحياة ، ومن بعد البعث سنسمع من كل فرد فيهم: {ياليتني كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40] .
أو: أنهم ظَنُّوا أن الذين أنعَم الله عليهم في الدنيا ؛ لن يحرمهم في الآخرة ، كما أورد الحق سبحانه هذا المَثل ، في قوله تعالى: {واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً * وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} [الكهف: 32 - 36] .
والذي يقول ذلك فَهِم أنه سوف يموت ؛ لكنه توهّم أن جنته تلك ستظل على ما هي عليه ، وأنكر قيام الساعة ، وقال:"حتى لو قامت الساعة ، ورُدِدتُ إلى الله فسأجد أفضل من جنتي تلك".
وهو يدعي ذلك وهو لم يُقدّم إيماناً بالله ليجده في الآخرة ، فهو إذن مِمَّنْ أنكروا الزوال أي البعث من جديد ، ووقع في دائرة مَنْ لم يُصدّقوا البعث ، وسبق أنْ قال الحق سبحانه ما أورده على ألسنتهم:
{أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة: 10] .
والذين أنكروا البعث يُورِد الحق سبحانه لنا حواراً بينه وبينهم ، فيقول سبحانه وتعالى: {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين فاعترفنا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} [غافر: 11] .