إلا أني لا آتيكَ بجديدٍ يُوقِظُك، فكم جاءتك المواعظُ من اللهِ، وكم من هذه الآياتِ تُتْلَى عليك - إن لم تكن أنت قد تلوتها مئات المرات - فامضِ في غيِّك، وَامْرَح في لَهْوِك، وَاضرِب في بيداءِ سفهِك ووثنيتِك وفجورِك؛ فويلٌ لك مما يَنتَظِرُك ويدَّخِر القهَّار لك في يومٍ تَشخَصُ فيه الأبصار، مُهطِعين مُقنِعي رؤوسِهم، لا يرتدُّ إليهم طرفُهم، وأفئدتهم هواءٌ، كما كانت الأبصارُ اليوم شاخصةً إلى كلِّ منكر، وكما كانوا مُهطِعين وراءَ كلِّ داعٍ إلى بغي وفساد، ومُقنِعِين رؤوسَهم؛ استكبارًا عن الحقِّ والهُدى وطاعة الله، وقلوبُهم فارغةٌ من كل شعورٍ بمسؤولية، وضمائرُ لا تتألَّم ولا تتوجَّع لِما يَنتَهِكُون من حرُماتٍ، ويعتدون على أعراضٍ، ويَضرِبُون في الأمَّة بمعاولِ الهَدْمِ لكلِّ مقترحاتِ حياتِها؛ فالحيُّ القيُّوم لا تأخذُه سِنَةٌ ولا نومٌ، وما ربُّك بغافلٍ عمَّا يعملُ الظالمون.
فالويلُ كل الويل لمن لم يُفِق من غفلتِه، ولم يَثُب إلى رشدِه، ويتَدارَكْ أمره، ويُحَاسِب نفسَه، ويَلُمَّ أثوابَ الرياءِ التي يزعمها صلاة وصومًا وحفلاتٍ ومواسمَ.
إنما هي ثيابٌ مُهَلْهَلة شافَّة، بل إنها ثيابٌ معلمة تُنَادِي لابسَها عند الناس، فكيف بالله العليم بما تَكِنُّ الصدور؟
اللهم تُبْ علينا؛ إنك أنت التوَّاب الرحيم، ولا تجعلْنا يا ربِّ من الظالِمين، واهدنا إلى صراطِك المستقيمِ، وصلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ، إمام المهتدين وخاتم المرسلين، وعلى آله أجمعين. انتهى انتهى {تفسير القرآن الحكيم، للشيخ/ محمد حامد الفقي} ...