وقيل: يحتمل أن يكون المعنى عند بيتك الذي جرى في سابق علمك أنه سيحدث في هذا المكان.
والمعنى: أي يا رب إني أسكنت بعض ذريتي وهم أولاد إسماعيل بواد غير ذي زرع، وهو وادي مكة عند بيتك الذي حرمت التعرض له والتهاون به، وجعلت ما حوله حرمًا لمكانه. {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} كرر النداء لإظهار كمال العناية بما بعده، واللام فيه لام كي متعلقة بـ {أَسْكَنْتُ} ؛ أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع الخالي من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم متوجهين إليه متبركين به بدلالة قوله: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} على أنه لا غرض له دنيوي في إسكانهم عند البيت المحرم، وتخصيص الصلاة بالذكر من بين سائر شعائر الدين لفضلها، ولأن بيت الله لا يسعه إلا الصلاة وما في معناها وهي الأصل في إصلاح النفس، وكان قريش يمتنعون عن ذلك لزيادة كبرهم.
{فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ} ؛ أي: قلوب بعض الناس {تَهْوِي إِلَيْهِمْ} ؛ أي: تسرع إلى ذريتي بنقل المعاشات إليهم بسبب التجارات، وتحن إليهم لطلب حج البيت لا لأعيانهم، وتطير نحوهم محبة، و {مِنَ} في قوله: {مِنَ النَّاسِ} للتبعيض. وقيل: زائدة، ولا يلزم منه أن يحج اليهود والنصارى بدخولهم تحت لفظ الناس؛ لأن المطلوب توجيه قلوب الناس إليهم للسكون معهم والجلب إليهم، لا توجيهها إلى الحج، ولو كان هذا مرادًا .. لقال: تهوي إليه، والأفئدة: جمع فؤاد؛ وهو القلب عبر به عن جميع البدن؛ لأنه أشرف عضو فيه. قال مجاهد: لو قال إبراهيم عليه السلام: أفئدة الناس لازدحمت على البيت فارس والروم. وقال ابن جبير: لَحجَّتهُ اليهود والنصارى.