هذا الحبُّ لله ولرسولِه لا ينبغي - عندهم - ولا يَلِيق به أن يُقَارَن بحبِّ أهل الدنيا ومودَّتهم الكاذبةِ الخادعةِ المُهْلِكَة، فهم فَرِحُون أبدًا بما آتاهم اللهُ من نعمتِه، وما خَلَع عليهم من لباسِ كرامتِه، ولا يَحزَنُون إلا على ما ضيَّعوا من حياتِهم في الجاهليةِ الأُولى، وتأخُّرِهم فيها عن رفقةِ الحبيبِ الأكرم - صلى الله عليه وسلم - فهم يشدُّون المِئْزَر ويُوَاصِلُون الليلَ بالنهارِ مسارعةً إلى مغفرةِ اللهِ ورضوانِه، وكلَّما خَطَوا خطوةً موفقةً سديدةً فَرِحوا بالقُربِ، وزَادُوا قوَّة في سيرِهم، ونشاطًا في سعيِهم، لا يَلتَفِتُون إلى الوراءِ إلا على تجديدِ الندمِ والتوبةِ، والسرورِ الأتَمِّ الأكملِ، بما أنقذهم اللهُ من ظلماتِ هذا الماضي الجاهلي وضلالِه ووثنيتِه وتقليدِه البهيمي القَذِرِ، إلى نور هذه الهدايةِ القرآنيةِ الرسوليةِ، وكرامةِ هذه الإنسانيةِ العاقلةِ الرشيدةِ الصابرةِ الشاكرةِ.
وهم لا يَخَافُونَ من جموعِ الجماهيرِ الحاشدةِ بعداوتِهم والمكر لهم، بل كلَّما رَأَوا جموعَ الضلالِ والغَي تَتَكاثَر ازدَادُوا إيمانًا بعزَّة اللهِ وتأييدِه ونصرِه: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
* فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173 - 174] .
قد رَكَنُوا إلى ركنٍ من اللهِ والإيمانِ به وبكتابِه ورسلِه وثيقٍ.
وهم لا يَخَافُون مما فرَط من جاهليتِهم ووثنيتِهم الأُولى، وكفرِهم بنعمِ الله وآياتِه؛ فإنهم وَاثِقُون من وعدِ اللهِ الحقِّ، وقد أنابوا إلى ربِّهم، وأَسلَموا له ولكتابِه ولرسولِه - صلى الله عليه وسلم - واتَّبعوا أحسنَ ما أُنزِلَ إليهم من ربِّهم: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [الزمر: 53 - 54] .