قد كَفَر المؤمنون بكلِّ تلك الطواغيتِ التي مَلَكت على جمهورِ الناسِ قلوبَهم وحياتَهم، ورَجَعوا إلى أنفسِهم يُحَاسِبُونَها على ما تلقَّت به نِعَمَ اللهِ وآياتِه، فهداهم اللهُ - بهذا الإيمانِ بإنسانيتِهم ونعمةِ اللهِ في سمعِهم وبصرِهم وعقولِهم - إلى الطيبِ من التفكُّر في ملكوتِ السمواتِ والأرضِ، وما خلق الله من شيء، وإلى الطيبِ من العقيدةِ الخالصةِ من جنسِ الشركِ والوثنيةِ، فأَخلَصُوا للهِ دينَهم كلَّه؛ دعاءً، وتوكلاً، والتجاءً، واستغاثةً، ورغبةً، ورهبةً،
وتقديسًا، وإجلالاً، وتعظيمًا، وهداهم إلى الطيبِ من العملِ، فلا يتقدَّمون ولا يَسِيرون إلى اللهِ خطوةً إلا على فقهٍ وعلمٍ وبصيرةٍ ونورٍ من ربِّهم وكتابِه ورسولِه - صلى الله عليه وسلم - فهم بذلك مصاحِبون لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الذي عَرَفوا رسالتَه وسِيرتَه وهَدْيَه حقَّ المعرفةِ، هم معه في مدخلِهم ومَخْرَجِهم، وليلِهم ونهارِهم، وهم معه متشرِّفون بمرافقتِه، لم تَستَطِع أن تُبَاعِد بينهم وبينه الأيامُ والسُّنون؛ لأن رسالتَه وهَدْيَه وسِيرتَه حيَّةٌ لم تَمُتْ، ولن تموتَ، مشرقة بأنوارِ الدينِ والهُدَى أشدَّ من إشراقِ الشمسِ في رابعةِ النهارِ، فكما أن الشمسَ لا تزال تَسْطَعُ بنورِها، لا يُعرِضُ عنها ويَستَغنِي بما اصطنع الإنسانُ من أنوارٍ إلا الغبيُّ الكافر بسننِ الله ونعمِه، كذلك رسالة خاتمِ المرسَلين - صلى الله عليه وسلم - لا تزالُ أنورُاها تَسْطَعُ بالقوَّةِ وحياةِ القلوبِ بالعلمِ والإيمانِ والطَّيبِ من العقائدِ، والأعمالِ، والأخلاقِ، والنُّظمِ، وجميعِ ضروبِ الإصلاحِ الاجتماعي، لا يُعرِض عنها ويَستَغنِي - بحُثَالاتِ الأفكارِ وزبالاتِ العقولِ السخيفةِ السفيهة - إلا أبلدُ الناسِ وأغباهم وأشدُّهم كفرًا باللهِ وسننه وآياته، وأشدُّهم استهزاءً وسخريةً بالقرآنِ والرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ثم لا ينفعُه كلُّ ما يَخْدَعُه به شياطينُ الإنسِ والجنِّ من زخرفِ القول وغروره: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص: 88] .