وَقِيلَ: {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} فَوُصِفَ بِالْعُصُوفِ، وَهُوَ مِنْ صِفَةِ الرِّيحِ، لِأَنَّ الرِّيحَ تَكُونُ فِيهِ كَمَا يُقَالُ: يَوْمٌ بَارِدٌ، وَيَوْمٌ حَارٌّ، لِأَنَّ الْبَرْدَ وَالْحَرَارَةَ يَكُونَانِ فِيهِ؛ وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسَا
فَوَصَفَ الْيَوْمَيْنِ بِالْغَيْمَيْنِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْغَيْمُ فِيهِمَا وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ فِي يَوْمٍ عَاصِفِ الرِّيحِ، فَحُذِفَتِ الرِّيحُ لِأَنَّهَا قَدْ ذُكِرَتْ قَالَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
إِذَا جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كَاسِفُ
يُرِيدُ: كَاسِفَ الشَّمْسِ
وَقِيلَ: هُوَ مِنْ نَعْتِ الرِّيحِ خَاصَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بَعْدَ الْيَوْمِ أُتْبِعَ إِعْرَابَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تُتْبِعُ الْخَفْضَ الْخَفْضَ فِي النُّعُوتِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر البسيط]
تُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرِ مُقْرِفَةٍ ... مَلْسَاءَ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلَا نَدَبُ
فَخَفَضَ «غَيْرِ» إِتْبَاعًا لِإِعْرَابِ الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ نَعْتِ السُّنَّةِ، وَالْمَعْنَى: سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ، وَكَمَا قَالُوا: هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.
وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ هُوَ الضُّلَّالُ الْبَعِيدُ} أَيِ الْخَطَأُ الْبَيِّنُ الْبَعِيدُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) }
يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّدُ بِعَيْنِ قَلْبِكَ، فَتَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ أَنْشَأَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ مُنْفَرِدًا بِإِنْشَائِهَا بِغَيْرِ ظَهِيرٍ وَلَا مُعِينٍ {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}
يَقُولُ: إِنَّ الَّذِي تَفَرَّدَ بِخَلْقِ ذَلِكَ وَإِنْشَائِهِ مِنْ غَيْرِ مُعِينٍ وَلَا شَرِيكٍ، إِنْ هُوَ شَاءَ أَنْ يُذْهِبَكُمْ فَيُفْنِيَكُمْ أَذْهَبَكُمْ وَأَفْنَاكُمْ، وَيَأْتِ بِخَلْقٍ آخَرَ سِوَاكُمْ مَكَانَكُمْ، فَيُجَدِّدَ خَلْقَهُمْ
{وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}