{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} ؛ أي: فاخْرُج من هذه القرى أنت مع أهلك، يعني: بنتيه ريْثا وزَعُورا {بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} ؛ أي: في طائفةٍ وبقيةٍ من الليلِ تكفي لتجاوز حدودها؛ أي: أُخرُجوا ليلًا لتستبقوا نُزولَ العذاب الذي موعده الصبح. وجاء في سورة الذاريات: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) } . وفي"القرطبي": فخرج لوط، وطَوَى الله له الأرض في وَقْتِهِ حتى نجا ووَصلَ إلى إبراهيمَ، اهـ. وقرأ الحرميان نافع، وابن كثير: {فاسر بأهلك} هنا، وفي الحجر، وفي الدخان: {فاسر بعبادي} . وقوله: (أن اسر في طه والشعراء قرأ جميع ذلك بهمزة الوصل تَسْقُط درجًا، وتثبت مكسورة ابتداءً. وقرأ الباقون: {فأَسْر} بهمزة القطع، تثبت مفتوحةً دَرَجًا وابتداءً.
والقراءتان مأخوذتان من معنى هذا الفعل، فإنه يقال: سَرَى. ومنه: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) } وأسرى. ومنه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} . وهل هما بمعنى واحد؛ أو بينهما فرق؟ خلاف مشهور. فقيل: هما بمعنى واحد، وهو قول أبي عبيد. وقيل: بل (أسرى) لأول الليل، وسَرَى لآخره، وهو قول الليث. وأمَّا سار فمختص بالنهار، وليس مقلوبًا مِنْ سرى، اهـ"سمين".
{وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} ؛ أي: لا تلتفت أنت، ولا تترك إحدى بِنْتَيْكَ، تلتفت؛ لئلا يَرَى عظيمَ ما يَنْزِلُ بهم فيحصل له كرب ربما لا يطيقه. وفي"المراح": وإنما نُهوا عن الالتفات ليسرعوا في السير، فإنَّ مَنْ يَلْتَفِتُ إلى ما وراءه لا يخلو عن أدنى وَقْفَةٍ. وقوله: {إِلَّا امْرَأَتَكَ} قرأه ابن كثير، وأبو عمرو بالرفع؛ أي: لا يتأخر منكم أحدُ إلا أمرأتك واعلة المنافقةُ. وعلى هذه القراءة يقتضي كونَ لوطٍ مأمورًا بالإسراء بها، وقرأ الباقون بالنصب، والمعنى: ولا ينظر أحد إلى وراءه منك، ومن أهلك إلا أمرأتك. وهذه القراءة تقتضي كونَ لوط غير مأمور بالإسراء بها.