(قال يا قوم) خاطبهم بهذا الخطاب وهم من وراء الباب خارجه (هؤلاء بناتي) أي تزوجوهن ودعوا ما تطلبونه من الفاحشة بأضيافي، وقد كان له ثلاث بنات وقيل ابنتان وكانوا يطلبون منه أن يزوجهم بهن فيمتنع لخبثهم لا لعدم كفاءتهم، وكان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما بنتيه والمراد بالجمع ما فوق الواحد.
وقيل أراد بقوله هؤلاء بناتي النساء جملة، لأن نبي القوم أب لهم قاله ابن عباس وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير، قال الكرخي: وهذا القول أولى لأن
إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش والفجار مستبعد لا يليق بأهل المروءة فكيف بالأنبياء. وأيضاً فبناته لا تكفي الجمع العظيم أما بنات أمته ففيهن كفاية للكل انتهى.
لكن فيه مخالفة لظاهر النظم، وقيل كان في ملته يجوز تزوج الكافر بالمسلمة قال قتادة: المراد بناته لصلبه، وفي أضيافه ببناته، وقال الحسين بن الفضل: عرض بناته عليهم بشرط الإسلام، وقالت طائفة: أما كان هذا القول منه على طريق المدافعة ولم يرد الحقيقة، وعن حذيفة بن اليمان قال: عرض عليهم بناته تزويجاً وأراد أن يقي أضيافه بتزويج بناته.
(هن أطهر لكم) أي أحل وأنزه والتطهر التنزه عما لا يحل، وليس في صيغة أطهر دلالة على التفضيل، بل هي مثل (الله أكبر) وقرأ الحسن وعيسى ابن عمر بنصب أطهر، وقرأ الباقون بالرفع، ووجه النصب أن يكون اسم إشارة مبتدأ وخبره بناتي. وهن ضمير فصل، وأطهر حال، وقد منع الخليل وسيبويه والأخفش مثل هذا، لأن ضمير الفصل الذي يسمى عماداً إنما يكون بين كلامين بحيث لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي) أي اتقوا الله بترك ما تريدون من الفاحشة بهم، ولا تذلوني وتجلبوا عليَّ العار في ضيفي، والضيف يطلق على الواحد والاثنين والجماعة، لأنه في الأصل مصدر، ومنه قول الشاعر:
لا تعدمي الدهر شفار الجازر ... للضيف والضيف أحق زائر