ثم أخبرهم عن شفقته ، وقلة طمعه في أموالهم ، فقال: {كارهون ويا قوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً} يعني: لا أطلب منكم على الإيمان أجراً ، يعني: رزقاً ولا جعلاً {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله} يعني: ما ثوابي إلا على الله ، {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ} ، لأنهم طلبوا منه أن يطرد من عنده من الفقراء والضعفاء ، فقال {إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبّهِمْ} فيجزيهم بأعمالهم.
ويقال: إنهم ملاقو ربهم فيشكونني إلى الله تعالى ، إن لم أقبل منهم الإيمان وأطردهم ، {ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} ما أمرتكم به وما جئتكم به.
ثم قال تعالى: {ويا قوم مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ} يعني: لو طردتهم فيعذبني الله بذلك ، فمن يمنعني من عذاب الله ، إن طردتهم عن مجلسي؟ {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي: أفلا تَتَّعِظُون؟ ولا تفهمون أنّ مَنْ آمن بالله لا يُطْرَدُ.
ثم قال: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله} يعني: مفاتيح الله في الرزق ، {وَلا أَعْلَمُ الغيب} أن الله يهديكم أم لا.
ويقال: {وَلا أَعْلَمُ الغيب} ، يعني: علم ما غاب عني ، {وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ} من الملائكة ، {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ} يعني: تحتقر أعينكم من السفلة ، {لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا} يعني: لا أقول: إن الله تعالى لا يكرم بالإيمان ، ولا يهدي من هو حقير في أعينكم ، ولكن الله يهدي من يشاء.
ثم قال: {الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ} يعني: بما في قلوبهم من التصديق ، والمعرفة ، {إِنّى إِذًا لَّمِنَ الظالمين} يعني: إن طردتهم فلم أقبل منهم الإيمان ، بسبب ما لم أعلم ما في قلوبهم ، كنت ظالماً على نفسي.
فعجز قومه عن جوابه ، {قَالُواْ يَا نُوحٌ قَدْ جَادَلْتَنَا} ، قال مقاتل: ماريتنا {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} يعني: مرانا.