قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون {عَاصِمَ} في معنى معصوم ويكن معنى {لَا عَاصِمَ} هو: لا ذا عصمة، كما قالوا: (عيشة راضية) على جهة النسب، أي ذات رضا، ويكون {مَنْ} هو على هذا التفسير في موضع رفع ويكون المعنى: لا معصوم إلا المرحوم، ونحو هذا قال الفراء وقال: لا ينكرون أن يخرج المفعول على فاعل، ألا ترى قوله: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 6] معناه: مدفوق، وقوله: {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الحاقة: 21] معناها: مرضية، وقال:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي
ومعناه: المكسو، فعلى قول الفراء يجوز أن يكون الفاعل بمعنى المفعول على ما ذكر، وقال علماء البصرة: {مَاءٍ دَافِقٍ} بمعنى مدفوق، باطل من الكلام؛ لأن الفرق بين بناء الفاعل وبناء المفعول واجب، وهذا عند سيبويه وأصحابه يكون على طريق النسب، من غير أن يعتبر فيه فعل، فهو فاعل نحو: رامح، ولابن، وتامر، وتارس، ومعناه: ذو رمح، وذو لبن، كذلك هاهنا"عاصم"بمعنى ذو عصمة من قبل الله تعالى، ليس أنه عصم فهو عاصم بمعنى معصوم على الإطلاق الذي ذكره الفراء، وقوله تعالى: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ} ، قال الفراء: حال بين ابن نوح وبين الجبل {فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} .
44 -قوله تعالى: {وَقِيلَ} بعد ما تناهي أمر الطوفان: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} ، يقال: بلع الماء يبلعه بلعًا: إذا شرب، وابتلع الطعام ابتلاعًا: إذا لم يمضغه.
وقال أهل اللغة: الفصيح بلع بكسر اللام يبلع بفتحها، ونحو ذلك روى أبو عبيد عن الكسائي، وقال الفراء: يقال: بلِعت وبلَعت.
وقوله تعالى: {وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} ، يقال: أقلع الرجل عن عمله: إذا كف عنه، وأقلعت السماء بعدما أمطرت إذا أمسكت.
قال ابن الأنباري: أي عن إنزال الماء، فلما تقدم ذكر الماء لم يعد هاهنا.