وأصلُ هذه اللفظةِ بثلاثِ ياءات: الأولى للتصغير ، والثانيةُ لامُ الكلمة ، وهل هي ياءٌ بطريق الأصالة أو مُبْدَلةٌ من واو؟ خلافٌ تقدَّم تحقيقُه أولَ هذا الموضوعِ في لام"ابن"ما هي؟ ، والثالثةُ ياءُ المتكلم مضافٌ إليها ، وهي التي طَرَأَ عليها القلبُ ألفاً ثم الحذفُ ، أو الحذفُ وهي ياءٌ بحالِها .
{قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ}
قوله تعالى: {لاَ عَاصِمَ اليوم} : فيه أقوالٌ ، أحدها: أنه استثناءٌ منقطع ، وذلك أن تَجْعَلَ عاصماً على حقيقته ، ومَنْ رَحِم هو المعصوم ، وفي"رَحِم"ضميرٌ مرفوعٌ يعود على اللَّه تعالى ، ومفعولُه ضميرُ الموصولِ وهو"مَنْ"حُذِف لاستكمالِ الشروط ، والتقدير: لا عاصمَ اليومَ البتةَ مِنْ أمر اللَّه ، لكن مَنْ رَحِمه اللَّه فهو معصوم . الثاني: أن يكونَ المرادُ ب"مَنْ رَحِم"هو الباري تعالى كأنه قيل: لا عاصمَ اليومَ إلا الراحمَ . الثالث: أن عاصماً بمعنى مَعْصوم ، وفاعِل قد يجيءُ بمعنى مفعول نحو: ماء دافق ، أي: مدفوق ، وأنشدوا:
2666 بطيءُ القيامِ رخيمُ الكلا ... مِ أَمْسى فؤادي به فاتِنا
أي مفتوناً ، و"مَنْ"مرادٌ بها المعصومُ ، والتقدير: لا معصومَ اليومَ مِنْ أَمْرِ اللَّه إلا مَنْ رحمه اللَّه فإنه يُعْصَم . الرابع: أن يكون"عاصم"هنا بمعنى النَّسَب ، أي: ذا عِصْمة نحو: لابن وتامر ، وذو العصمة ينطلق على العاصم وعلى المعصوم ، والمرادُ به هنا المَعْصوم .
وهو على هذه التقاديرِ استثناءٌ متصلٌ ، وقد جعله الزمخشري متصلاً لمَدْرك آخرَ ، وهو حذفُ مضافٍ تقديرُه: لا يعصمك اليومَ معتصِمٌ قط مِنْ جبلٍ ونحوِه سوى معتصمٍ واحد ، وهو مكان مَن رحمهم اللَّه ونجَّاهم ، يعني في السفينة"."