وأخرج ابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه قال: مكث نوح عليه السلام يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله يسره إليهم ثم يجهر به لهم، ثم أعلن قال مجاهد رضي الله عنه: الاعلان الصياح: فجعلوا يأخذونه فيخنقونه حتى يغشى عليه فيسقط الأرض مغشياً عليه، ثم يفيق فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. فيقول الرجل منهم لأبيه: يا أبت ما لهذا الشيخ يصيح كل يوم لا يفتر؟ فيقول: أخبرني أبي عن جدي أنه لم يزل على هذا منذ كان، فلما دعا على قومه أمره الله أن يصنع الفلك فصنع السفينة، فعملها في ثلاث سنين كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه يعجبون من نجارته السفينة، فلما فرغ منها جعل له ربه آية إذا رأيت التنور قد فار فاجعل في السفينة من كل زوجين اثنين، وكان التنور فيما بلغني في زاوية من مسجد الكوفة، فلما فار التنور جعل فيها كل ما أمره الله قال: يا رب كيف بالأسد والفيل؟ قال: سألقي عليهم الحمى إنها ثقيلة، فحمل أهله وبنيه وبناته وكنائنه ودعا ابنه، فلما أبى عليه وفرغ من كل شيء يدخله السفينة طبق السفينة الأخرى عليهم ولولا ذلك لم يبق في السفينة شيء إلا هلك لشدة وقع الماء حين يأتي من السماء قال الله تعالى {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر} [القمر: 11] فكان قدر كل قطرة مثل ما يجري من فم القربة، فلم يبق على ظهر الأرض شيء إلا هلك يومئذ إلا ما في السفينة، ولم يدخل الحرم منه شيء .
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن عبدالله بن زياد بن سمعان عن رجال سماهم. أن الله أعقم رجالهم قبل الطوفان بأربعين عاماً، وأعقم نساءهم فلم يتوالدوا أربعين عاماً منذ يوم دعا نوح عليه السلام حتى أدرك الصغير وأدرك الحنث وصارت لله عليهم الحجة، ثم أرسل الله السماء عليه بالطوفان.