ونرى في الريف أثناء مواسم جمع"القطن"عملية"فرز"القطن ، يقوم بها صغار البنين والبنات ، فيفصلون القطن النظيف ، عن اللوز الذي لم يتفتح بالشكل المناسب ؛ لأن اللوزة المصابة عادة ما تعاني من ضمور ، ولم تنضج النضج الصحيح .
وكذلك يفعل الفلاحون في موسم جمع"البلح"، فيفصلون البلح الجيد عن البلح المعيب .
إذن: فرذال كل شيء هو نفايته .
وقد قال الملأ من الكفار من قوم نوح:
{وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا} [هود: 27] .
أي: أنهم وصفوا من آمنوا بنوح عليه السلام بأنهم نفاية المجتمع .
وجاء الحق على ألسنتهم بقولهم في موضع آخر:
{واتبعك الأرذلون} [الشعراء: 111] .
ولم يَنْفِ نوح عليه السلام ذلك ؛ لأن الذين اتبعوه قد يكونون من الضعاف ، وهَم ضحايا الإفساد ؛ لأن القوى في المجتمع لا يقربه أحد ؛ ولذلك فإنه لا يعاني من ضغوط المفسدين ، أما الضعاف فهم الذين يعانون من المفسدين ؛ فما إن يظهر المُخلِّص لهم من المفسدين فلا بد أن يتمسكوا به .
ولكن ذلك لا يعني أن الإيمان لا يلمس قلوب الأقوياء ، بدليل أن البعض من سادة وأغنياء مكة استجابوا للدعوة المحمدية مثل: أبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنهم .
ولكن الغالب في دعوات الإصلاح أنه يستجيب لها المطحونون بالفساد ، هؤلاء الذين يشعرون بالغليان في مراجل الألم بسبب الفساد ، وما إن يظهر داعية الإصلاح ويريد أن يزحزح الفساد ، فيلتفُّون حوله ويتعاطفون معه ، وإن كانوا غير عبيد ، لكن محكومين بالغير ، فهم يؤمنون علناً برجل الإصلاح ، وإن كانوا عبيداً مملوكين للسادة ؛ فهم يؤمنون خفية ، ويتحمل القوي منهم الاضطهاد والتعذيب .
إذن: فكل رسول يأتي إنما يأتي في زمن فساد ، وهذا الفساد ينتفع به بعض الناس ؛ وطغيان يعاني منه الكثيرون الواقع عليهم الفساد والطغيان .