وردَّ الذين يكوِّنون الملأ على سيدنا نوح قائلين:
{مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا} [هود: 27] .
أي: أنه لا توجد لك ميزة تجعلك متفوقاً علينا ، فما الذي سوَّدك علينا لتكون أنت الرسول؟
وقولهم هذا دليل غباء ؛ لأن الرسول ما دام قد جاء من البشر ، فسلوكه يكون أسوة ، وقوله يصلح للاتباع ، ولو كان الرسول من غيرِ البشر لكان من حق القوم أن يعترضوا ؛ لأنهم لن يستطيعوا اتخاذ الملاك أسوة لهم .
ولذلك بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة في قوله تعالى:
{وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94] .
وجاء الرد منه سبحانه بأن قُلْ لهم:
{لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً} [الإسراء: 95] .
إذن: فالرسول إنما يجيء مُبلِّغ منهج وأسوة سلوك ، فإذا لم يكن من جنس البشر ، فالأسوة لن تصلح ، ولن يستطيع إلا البلاغ فقط .
ومثال ذلك: أنت حين ترى الأسد في أي حديقة من حدائق الحيوان ، يصول ويجول ، ويأكل اللحم النَّيء المقدم له من الحارس ، أتحدثك نفسك أن تفعل مثله؟ . . طبعاً لا ، لكنك إن رأيت فارساً على جواد ومعه سيفه ، فنفسك قد تحدثك أن تكون مثله .
وهكذا نجد أن الأسوة تتطلب اتحاد الجنس ؛ ولذلك قلنا: إن الأسوة هي الدليل على إبطال من يدَّعي الألوهية لعزير أو لعيسى عليهما السلام .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان الملأ الكافر من قوم نوح:
{وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا} [هود: 27] .
والأراذل جمع"أرذل"، مثل قولنا:"أفاضل قوم"، وهي جمع"أفضل".
والأرذل هو الخسيس الدنيء في أعين الناس . ورذال المال أي: رديئه . ورذال كل شيء هو نفايته .