نعلم منه أن النذير كما قلنا من قبل هو من يخبر بشرٍّ لم يأت وقته بعد ، حتى يستعد السامع لملاقاته ، وما دام أن نبي الله نوحاً قد جاء نذيراً ، فالسياق مستمر ؛ لأن الحق سبحانه قال في الآية التي قبلها:
{مَثَلُ الفريقين} [هود: 24] .
أي: أن هناك فريقاً عاصياً وكافراً وله نذير ، أما الفريق الآخر فله بشير ، يخبر بخير قادم ليستعد السامع أيضاً لاستقباله بنفس مطمئنة .
والفريق الكافر الذي يستحق الإنذار ، يأتي لهم الحق سبحانه بنص الإنذار في قوله تعالى: {أَن لاَّ تعبدوا إِلاَّ الله}
ونحن نعلم أن نوحاً عليه السلام محسوب على قومه ، وهم محسوبون عليه ؛ ولذلك نجده خائفاً عليهم ؛ لأن الرباط الذي يربطه بهم رباط جامع قوي .
وكذلك نجد الحق سبحانه يُحنِّن قلوب الرسل إليهم لعلهم يحسنون استقبال الرسول .
ومثال ذلك: قول الحق سبحانه:
{وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} [الأعراف: 65] .
ولأن الرسول أخ لهم فلن يغشَّهم أو يخدعهم .
واستقبل الملأ من قوم نوح الأمر بما يقوله الحق سبحانه عنهم: {فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ}
والملأ كما نعلم هم وجوه القوم ، وهم السادة الذين يملأون العيون مهابة ، ويتصدرون أي مجلس .
وهناك مثل شعبي في بلادنا يوضح ذلك المعنى حين نقول:"فلان يملأ العين".
أي: أن العين حين تنظر إليه لا تكون فارغة ، فلا جزء في العين يرى غيره .
ويقال أيضاً:"فلان قَيْد النواظر"أي: أنه إذا ظهر تقيَّدت به كل النواظر ، فلا تلتفت إلى سواه ، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا كانت فيه مزايا تجذب العيون إليه بحيث لا تتحول عنه .
والمراد بذلك هو الحاشية المقربة ، أو الدائرة الأولى التي حول المركز ، فَحَوْل كل مركز هناك دوائر ، والملأ هم الدائرة الأولى ، ثم تليهم دائرة ثانية ، ثم ثالثة وهكذا ، والارتباك إنما ينشأ حين يكون للدائرة أكثر من مركز ، فتتشتت الدوائر .