23 -وبعد أن بيَّنَ حالَ الكافرينَ وأعمالَهم ومآلهم .. بيَّنَ حالَ المؤمنين، وعاقبةَ أمرهم، فقال {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} وصدقوا الله ورسوله {وَعَمِلُوا} في الدنيا {الصَّالِحَاتِ} أي الأعمال الصالحة فأتوا بالطاعات وتركوا المنكرات {وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} ؛ أي: خشعت نفوسُهُم واطمأنت إلى ربهم؛ أي: إنَّ الذين آمنوا بكل ما يجب الإيمانُ به، وأتَوا بالأعمال الصالحات، بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، واطمأنَّتْ قلوبُهُم عند أداء الأعمال إلى ذكر الله، فارغةً عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى، واطمأنت إلى صِدْقِ وعْدِ الله بالثواب على تلك الأعمال، وخافَتْ قُلوبُهم أنْ يكونوا أتَوا بتلك الأعمال مع وجود الإخلال، ومن أنْ لا تكون مقبولةً {أُولَئِكَ} الموصوفون بتلك الصفات الجميلة هم {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} ؛ أي: قُطَّان الجنة الذين لا يخرجون منها, ولا يموتون بل {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ؛ أي: ماكثون فيها مكثًا مؤبَّدًا دائمون فيها أبدًا.
والإخْبَاتُ في اللغة هو: الخشوع، والخضوع، وطمأنينة القلب، ولفظ الإخبات يتعدى بإلَى، وباللام فإذا قُلتَ: أَخْبَتَ فلان إلى كذا، فمعناه: اطمأنَّ إليه، وإذا قلتَ: أخبت له، فمعناه: خَشَعَ وخَضَعَ له، فقوله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} إشارة إلى جميع أعمال الجوارح، وقوله {وَأَخْبَتُوا} إشارة إلى أعمال القلوب، وهي الخضوع، والخشوع لله عز وجل، يعني: أنَّ هذه الأعمال الصالحة لا تنفعُ في الآخرة إلا بحصول أعمال القلب، وهي الخشوع، والخضوع، وإذا فسَّرْنَا الإخبات بالطمأنينة، كان معنى الكلام أنهم يأتون بالأعمال الصالحة، مطمئِنّين إلى صدق وعد الله بالثواب، والجزاء على تلك الأعمال، أو يكونون مطمئنين إلى ذكره سبحانه وتعالى، وإذا فسَّرنا الإخباتَ بالخشوع، والخضوع .. كان معناه: أنهم يأتون بالأعمال الصالحة خائفينَ وَجِلينَ، أنْ لا تكونَ مقبولة، وهو الخشوع والخضوع،