أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا أي ما كانوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي بمعجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم، بل هم تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ أَوْلِياءَ أي أنصار يمنعونهم من عذابه، أي لا أحد يتولاهم فينصرهم منه، ويمنعهم من عقابه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى ذلك اليوم.
وفي الصحيحين «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» يُضاعَفُ لَهُمُ
الْعَذابُ لأنهم أضلوا الناس عن دين الله ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ للحق من فرط حقدهم وحسدهم وكبرهم وَما كانُوا يُبْصِرُونَ الحق، وهكذا اجتمع لهم الصمم عن الحق، والعمى عنه، فلفرط كراهيتهم للحق أصبحوا كأنهم عاجزون عن السماع والرؤية
أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لأنهم أدخلوا نارا حامية فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين وَضَلَّ عَنْهُمْ أي وغاب عنهم وذهب ما كانُوا يَفْتَرُونَ من زخرف قول، وباطل في العقائد وغيرها
لا جَرَمَ أي حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ أخبر تعالى بهذه الآية عن مآلهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة، لأنهم استبدلوا الدركات عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب الرحيق المحتوم بسموم وحميم وظل من يحموم، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.