وهي أفدح الخسارة ، فالذي يخسر نفسه لا يفيد شيئاً مما كسب غيرها وأولئك خسروا أنفسهم فأضاعوها في الدنيا ، لم يحسوا بكرامتهم الآدمية التي تتمثل في الإرتفاع عن الدينونة لغير الله من العبيد. كما تتمثل في الإرتفاع عن الحياة الدنيا والتطلع مع المتاع بها إلى ما هو أرقى وأسمى. وذلك حين كفروا بالآخرة ، وحين كذبوا على ربهم غير متوقعين لقاءه.
وخسروا أنفسهم في الآخرة بهذا الخزي الذي ينالهم ، وبهذا العذاب الذي ينتظرهم..
{وضل عنهم ما كانوا يفترون} ..
غاب عنهم فلم يهتد إليهم ولم يجتمع عليهم ما كانوا يفترونه من الكذب على الله. فقد تبدد وذهب وضاع.
{لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} ..
الذين لا تعدل خسارتهم خسارة. وقد أضاعوا أنفسهم دنيا وأخرى.
وفي الجانب الآخر أهل الإيمان والعمل الصالح ، المطمئنون إلى ربهم الواثقون به الساكنون إليه لا يشكون ولا يقلقون:
{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وأخبتوا إلى ربهم ، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} ..
والإخبات الطمأنينة والإستقرار والثقة والتسليم.. وهي تصور حال المؤمن مع ربه ، وركونه إليه واطمئنانه لكل ما يأتي به ، وهدوء نفسه وسكون قلبه ، وأمنه واستقراره ورضاه:
{مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع. هل يستويان مثلاً؟} ..
صورة حسية تتجسم فيها حالة الفريقين. والفريق الأول كالأعمى لا يرى وكالأصم لا يسمع والذي يعطل حواسه وجوارحه عن الغاية الكبرى منها ، وهي أن تكون أدوات موصلة للقلب والعقل ، ليدرك ويتدبر فكأنما هو محروم من تلك الجوارح والحواس والفريق الثاني كالبصير يرى وكالسميع يسمع ، فيهديه بصره وسمعه.
{هل يستويان مثلاً؟} ..
سؤال بعد الصورة المجسمة لا يحتاج إلى إجابة لأنها إجابة مقررة.
{أفلا تذكّرون} .
فالقضية في وضعها هذا لا تحتاج إلى أكثر من التذكر. فهي بديهية لا تقتضي التفكير..