وقوله تعالى: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} ، قال ابن عباس، والضحاك، ومقاتل: يتعارفون بينهم حين بعثوا من القبور يعرف بعضهم بعضًا كمعرفتهم في الدنيا، ثم تنقطع المعرفة فلا يعرف أحد أحدًا، قال أبو إسحاق: وفي معرفة بعضهم بعضًا وعلم بعضهم بإضلال بعض التوبيخ لهم وإثبات الحجة عليهم، وزاد ابن الأنباري بيانًا فقال: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} بتوبيخ بعضهم بعضًا، فيقول كل فريق للآخر: أنت أضللتني يوم كذا،
وأنت كسّبتني دخول النار بما علمتنيه وزينته لي، فهذا تعارف توبيخ وتعنيف، وتباعد وتقاطع، لا تعارف عطف وإشفاق، ومن هذه الجهة وافق قوله: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} [المعارج: 10] ، يريد لا يسأله سؤال رحمة وعطف. هذا كلامه، والمفسرون حملوا الآيتين على حالتين فقالوا: يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة، فلذلك لا يسأل حميم حميمًا، وقال أبو علي: معنى {يَتَعَارَفُونَ} يحتمل أمرين؛ أحدهما: أن يكون المعنى يتعارفون مدة إماتتهم التي وقع حشرهم بعدها، وحذف المفعول للدلالة عليها كما حذف في مواضع كثيرة، وعدي (تفاعل) كما عدي فيما أنشد أبو عبيدة:
تخاطأت النبل أحشاءه أو يكون أعمل الفعل الذي دلّ عليه (يتعارفون) ؛ ألا ترى أنه دل علي يستعلمون ويتعرفون، وتعرّفوا مدة اللبث هاهنا، كما تعّرفوها [في قوله: {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ} [المؤمنون: 112] الآية، والآخر في التعارف: بما جاء في قوله: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ] يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ} [الصافات: 50، 51] ، وقال في موضع آخر {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا} [الطور: 26] الآية، وتعرّفهم يكون على أحد هذين الوجهين، وذكر تقدير الآية فقال: يحتمل قوله: {كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا} ثلاثة أوجه: