قال أبو بكر: وكيف يكون السمع أفضل وبالبصر يكون جمال الوجه، وبذهابه شينه، وذهاب السمع لا يكسب الوجه شينًا، والعرب تسمي العينين (الكريمتين) ، ولا تصف السمع بمثل هذا؛ ومنه الحديث: يقول الله تعالى: من أذهبت كريمتيه فصبر لم أرض له ثوابًا دون الجنة"."
وأنشد لبعض من أصيب بعينيه:
أصغي إلى قائدي لمخبرني ... إذا المقينا عمن يحييني
لله عينن التي فجعت بها ... لو أن دهرًا بها يواتيني
لو كنت خُيِّرت ما أَخَذْتُ ... بها تعميرَ نوح في ملك قارون
44 -وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} الآية.
قال أرباب الأصول وأصحاب المعاني: لما ذكر الله تعالى في الآيتين السابقتين فريقين ووصفهما بالشقوة ينظرون ويسمعون ولا يعقلون ولا يؤمنون، وذلك للقضاء السابق عليهم، أخبر الله في هذه الآية أن تقدير الشقوة عليهم ما كان ظلما منه؛ لأنه يتصرف في ملكه كيف شاء، وإذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم؛ لأن الفعل منسوب إليهم وإن كان القضاء لله تعالى.
45 -قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا} الآية (كأن) هذه هي المخففة من الثقيلة، التقدير: كأنهم لم يلبثوا، كقول النابغة:
وكأن قد
وقول آخر:
كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم
وقوله تعالى: {إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ} ، قال ابن عباس: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من النهار.
وقال الزجاج: أي قرب عندهم ما بين موتهم وبعثهم كما قال: {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [المؤمنون: 113] .
وقال الضحاك وابن الأنباري: قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم وبعثهم فصار في تقديرهم كالساعة من النهار من هول ما استقبلوه من أمر البعث والقيامة.
وقال آخرون: إنما قصرت عندهم مدة لبثهم في الدنيا لا مدة كونهم في البرزخ، فقوله: {كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا} أي: في الدنيا إلا ساعة من النهار.