لذلك فالبيع أفضل عند التاجر من الشراء ، فأنت تشتري شيئاً وأنت كاره له ، لاحتياجك إليه ، ولكنك عند بيع البضاعة تشعر بالسعادة والإشراق ، ولأن الشراء فيه أخذ ، والبيع فيه عطاء ، والعطاء يرضي النفس دائماً ؛ لأن ثمرة الصفقة تأتيك في لحظتها .
وإن كنت مزارعاً فأنت تُعِدّ الأرض ، وتحرثها ، وتبذر البذور ، وترويها ، وتُشَذِّب النبات ، وتنتظر إلى أن ينضج الزرع ، وكذلك تقضي الكثير من الوقت في إتقان الصنعة إن كنت صانعاً ، لكن البيع في التجارة ياتي لك بالكسب سريعاً ، فكأن ضَرْبَ المثل في التجارة ، جاء من أصول التجارة بالبيع ولم يأت بالشراء .
إذن: لا بد أن نعتبر أن دخولك في صفقة الإيمان تجارة ، تأخذ منها أكثر من رأسمالك ، وتربح ، أما إن تركت بعضاً من الدِّين ؛ فأنت تخسر بمقدار ما تركت ، بل وأضعاف ما تركت .
وأنت في أية صفقة قد تعوِّض ما خسرت فيما بعد ، وإن استمرت الخسارة فإن أثرها لا يتجاوز الدنيا ، ويمكن أن تربح بعدها ، وإذا لم تربح ، فسيضيع عليك تعبك فقط ؛ ولأن الدنيا محدودة الزمن ؛ فخسارتها محتملة ، أما الخسارة في الزمان غير الموقوت الزمن الدائم فهي خساة كبيرة ؛ لأن الآخرة ليس فيها أغيار كالدنيا ، وأنت في الآخرة: إما في جنة ذات نعيم مقيم ، وفي هذا ربح وكسب كبير ، وإما إلى نار ، وهذه هي الخسارة الحقيقة .
والخسران الحقيقي أن يكذِّب الإنسان ، لا بنعيم الله فقط ، ولكن بلقاء الله أيضاً .
يقول الحق سبحانه:
{قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله} [يونس: 45] .
أي: أن الله سبحانه لم يكن في بالهم ، وهو حين تقوم الساعة يجدون الله سبحانه وتعالى أمامهم .
ولذلك يقول الحق سبحانه:
{والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً} [النور: 39] .