ولما كان إتيان الأمي - الذي لم يجالس عالماً - بالأخبار والقصص الماضية على التحرير دليلاً قطعاً على صدق الآتي في ادعائه أنه لا معلم له إلا الله ، عبر بأداة العناد فقال: {ولكن} أي كان كوناً لا يجوز غيره {تصديق الذي} أي تقدم {بين يديه} أي قبله من الكتب ، والدليل على تصادقه شاهد الوجود مع أن القوم كانوا في غاية العدواة له - صلى الله عليه وسلم - وكان أهل الكتابين عندهم في جزيرة العرب على غاية القرب منهم مع أنهم كانوا يتجرون إلى بلاد الشام وهم متمكنون من السؤال عن كل ما يأتي به ، فلو وجدوا مغمزاً ما لقدحوا به ، فدل عدم قدحهم على التصادق قطعاً.
ولما كان ذلك سلطاناً قاهراً - صلى الله عليه وسلم - ، زاده ظهوراً بما اشتمل الكتاب الآتي به عليه من التفصيل الذي هو نهاية العلم فقال: {وتفصيل الكتاب} أي الجامع المجموع فيه الحكم والأحكام وجوامع الكلام من جميع الكتب السماوية في بيان مجملاتها وإيضاح مشكلاتها ، فهو ناظر إلى قوله {أفمن يهدي إلى الحق} ، فهو برهان على أنه هو الهادي وحده ، فهو الحقيق بالاتباع والتفصيل بتبيين الفصل بين المعاني الملتبسة حتى تظهر كل معنى على حقه ، ونظيره التقسيم ، ونقضيه التخليط والتلبيس ، وبيان تفصيله أنه أتى من العلوم العلمية الاعتقادية من معرفة الذات والصفات بأقسامها ، والعملية التكليفية المتعلقة بالظاهر وهي علم الفقه وعلم الباطن ورياضة النفوس بما لا مزيد عليه ولا يدانيه فيه كتاب ، وعلم الأخلاق كثير في القرآن مثل
{خذ العفو} [الأعراف: 199] {إن الله يأمر بالعدل} [النحل: 90] وأمثالهما.