السابعة قوله تعالى: {وَكُفْراً} لما كان اعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد قُباء ولا لمسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم كفروا بهذا الاعتقاد ؛ قاله ابن العربي.
وقيل:"وَكُفْراً"أي بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ؛ قاله القشيرِيّ وغيره.
الثامنة قوله تعالى: {وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين} أي يفرّقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وهذا يدلكَ على أن المقصد الأكبر والغرضَ الأظهر من وضع الجماعة تأليفُ القلوب والكلمة على الطاعة ، وعقدُ الذّمام والحرمة بفعل الدّيانة حتى يقع الأنس بالمخالطة ، وتصفو القلوب من وَضَر الأحقاد.
التاسعة تفطّن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال: لا تصلِّي جماعتان في مسجد واحد بإمامين ؛ خلافاً لسائر العلماء.
وقد رُوي عن الشافعيّ المنع ؛ حيث كان تشتيتاً للكلمة وإبطالاً لهذه الحكمة وذرِيعة إلى أن نقول: من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ويبطل النظام ، وخفي ذلك عليهم.
قال ابن العربي: وهذا كان شأنه معهم ، وهو أثبت قدماً منهم في الحكمة وأعلم بمقاطع الشريعة.
العاشرة قوله تعالى: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ} يعني أبا عامر الراهب ؛ وسُمِّيَ بذلك لأنه كان يتعبّد ويلتمس العلم فمات كافراً بقِنَّسْرِين بدعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كان قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ؛ فلم يزل يقاتله إلى يوم حُنين.
فلما انهزمت هوازِن خرج إلى الروم يستنصر ، وأرسل إلى المنافقين وقال: استعدّوا بما استطعتم من قوّة وسلاح ، وابنوا مسجداً فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم لأخرج محمداً من المدينة ؛ فبنوا مسجد الضرار.
وأبو عامر هذا هو والد حنظلة غَسِيل الملائكة.
والإرصاد: الانتظار ؛ تقول: أرصدت كذا إذا أعددته مرتقباً له به.