{أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} وما هو السر؟ وما هي النحوي؟ السر: هو ما تكتمه في نفسك ولا تطلع عليه أحداً ، فليس السر هو ما تُسِرُّ به للغير ؛ لأن هذه هي النجوى ، وأصل النجوى البُعْد .
ويقال: فلان بنجوة عن كذا ، أي: بعيد عن كذا . وأصل النجوى أيضاً المكان المرتفع في الجبل ، فكأن المرتفع بالجبل بعيد عن مستوى سطح الأرض . وحين يرغب إنسان أن يكلم أحداً بكلام لا يسمعه غيرهما ؛ فهو يستأذنه في الابتعاد عن بقية الجلوس ليتكلم معه كما يريد ، أو يُخفض من صوته فلا يسمعه سوى الإنسان الذي يريد أن يهمس له بكلمة ، ولا يسمعها أحد آخر ، ولذلك سموها المناجاة ؛ وهي كلام لا يسمعه القريب ؛ لأنك خفضت صوتك خَفْضاً يخفي على القريب ، فكأنه صار بعيداً .
إذن: فالسر: هو ما احتفظت به في نفسك ، والنجوى: هو ما أسررت به للغير بحيث لا يعلمه من يجالسك .
والذين منعوا الصدقة ، لا بد أنهم اتفقوا على ذلك فيما بينهم ، وأنهم تكلموا في هذا الأمر - منع الصدقة - بعد أن صاروا أغنياء ولهم أموال كثيرة ، وتمردوا على منطق الإسلام مع أنهم كانوا حريصين دائماً أن يظهروا في إسلامهم مظهراً يفوق المسلمين الحقيقيين ، فكانوا دائماً في الصفوف الأولى للصلاة كي يستروا نفاقهم .
وحين يوضح الحق سبحانه وتعالى أنهم أسرّوا في نفوسهم كلاماً ؛ فهذا الإسرار في النفس حين يُخبر به الله ؛ هو هتك لحجاب المكان والزمان معاً ، وأعلم سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما دار في هذا الإسرار ، كما هتك له من قبل حجب الزمان الماضي . وذلك في الأمور التي لم يشهدها ، ولم يسمعها من معلم ، ولم يقرأها في كتاب لأنه أمّي ، فأخبر رسول الله عن أكثر من أمر لم يشهده ولم يسمعه ولم يقرأه .