والثاني: يحتمل قوله: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: يأتيهم نبأ الذين من قبلهم وما حل بهم؛ كقوله: ألم تر كذا، أي: سترى؛ فعلى ذلك هذا يحتمل، وهو حرف وعيد، يحذرهم ما حل بأُولَئِكَ؛ ليمتنعوا عن مثل صنيعهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ) .
قال أهل التأويل: هي [قريات] لوط. . مؤتفكات: أي منقلبات.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: ائتفكت، أي انقلبت.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: المؤتفكات: هي من الإفك؛ وهو الصرف (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) ، أي: يصرفون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المؤتفكات: المكذبات؛
(أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) وفكذبوهم فاهلكوا. وهو من الانقلاب؛ كأنه أشبه، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) .
بتعذيبه إياهم، ولا يعذبهم وهم غير مستوجبين لذلك العذاب، ولكن هم ظلموا أنفسهم؛ حيث كذبوا رسله وردوا ما جاءوا به من البينات والبراهين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) .
يحتمل قوله: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) على الإيجاب والإخبار أن الدِّين الذي اعتقدوا أو تمسكوا به يوجب لهم الولاية، ويصير بعضهم أولياء بعض؛ كقوله: (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ...) الآية، وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) ونحوه، فهي أخوة الدِّين وولايته.
ويحتمل قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) : على الأمر، أي: اتخذوا بعضكم أولياء بعض، ولا تتخذوا غيركم أولياء؛ كقوله: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) وقوله: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) ، نهى المؤمنين أن يتخذوا أولياء من غيرهم، فكأنه أمر أن يتخذ المؤمنون بعضهم بعضًا أولياء، لا يتخذوا من غيرهم.