ونلحظ أنه سبحانه وتعالى قد قدَّم في هذه الآية ذكر الكفار على المنافقين . وقدَّم في آيات أخرى المنافقين على الكفار . والصدام - كما نعلم - قد حدث أولاً مع الكفار ، ففي أول الدعوة لم يوجد هذا الصنف المنافق ، بل كان هناك مؤمنون وكفار ، وجهاد الكفار جاء على مراحل ، وليس على مرحلة واحدة ، وكانت أولى مراحل الجهاد هي الجهاد بالحجة ؛ لأن المؤمنين في أول الأمر كانوا قلة ضعيفة لا يملكون قوة يواجهون بها هذا المد الكبير من الكفار . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض قضايا الإيمان بالحجة لإقناع العقل ؛ لعل عقولهم تفيق فيؤمنون بمنهج الحق . فيسألهم مثلاً عمَّنْ خلق السماوات والأرض؟
وحين يديرها الكافر في عقله لا يجد أن أحداً ادعى - أو يستطيع أن يدعي - أنه خلق السماوات والأرض ، فلا يكون جوابهم إلا أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى ، لماذا؟ لأن الإنسان في تكوينه قد يدعي أشياء ليست له ، ولكنه لا ينفي أمراً هو صاحبه . فمخترع أي شيء أو صانعه لا يمكن أن ينكر أنه صنع أو اخترع ، بل يجب أن تعرف الدنيا كلها أنه اخترع أو صنع ؛ ولهذا فأنت لا تجد شيئاً ينتفع به في الكون مهما كان تافهاً إلا وعرفنا تاريخه ، ومن أين جاء ، ومن الذي طوره . وكذلك اختراع الطائرة ، ومعروف لنا كيف نشأت فكرة الطيران بعباس بن فرناس ؛ الذي حاول الطيران بذاته بواسطة أجنحة كبيرة ، وهكذا كانت البداية .
إذن: فكل شيء نافع في الكون معروف من الذي اكتشفه أو صنعه أو اخترعه . فإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للصناعات البشرية المحدودة ، فما بالك بالنسبة للكون؟ وحين نسأل: من الذي أوجد الشمس؟ ألا يستحق خالقها أن نعرف من هو ، خصوصاً ونحن نعرف من الذي اخترع مصباح الكهرباء وأوجده في حياتنا؟