نقول له: نعم ؛ لأنه فعل هذا وليس في باله الله . . وإنما فعله وفي باله الحصول على المجد أو المال أوالنفوذ في الأرض ؛ ولذلك أعطاه الله ، ما عمل من أجله ، فأصبح له ثروة طائلة وتاريخ يدرس في المدارس ، وأعطوه النياشين وأطلقوا اسمه على الشوارع والميادين .
فما دام قد عمل للدنيا فإن الله سبحانه وتعالى يعطيه أجره في الدنيا ، ولكن الذي عمل وفي باله الله يأخذ من الدنيا بالأسباب ، ولكنه يأخذ في الآخرة من المسبب مباشرة؟ فالإنسان قد ارتقى حضاريّاً ، حتى إنك الآن في بعض الدول المتقدمة تضغط زراً يعطي لك القهوة أو الشاي ، وآخر يعطيك الطعام .
نقول: إن هذا كله متاع الأسباب ، فقبل أن تضغط أنت هذا الزر ، كان هناك بشر أعدّوا لك القهوة أو الطعام ، والآلة أوصلته إليك .
ولكن مهما ارتقى الإنسان تكنولوجيّاً فلن ياتي اليوم الذي يجعل الشيء يخطر ببالك فتجده أمامك . . ولكن في الجنة بمجرد أن يخطر الشيء على بال تجده أمامك ؛ لأن عطاء الدنيا عطاء أسباب ، وعطاء الآخرة عطاء مسبب .
فالله سبحانه وتعالى أعطانا الاختيار والأسباب في الدنيا ، ولكن في الآخرة يأتي لك الشيء بلا عمل ، مختلفاً في مذاقه ورائحته عن الدنيا .
إذن: فالذي يعمل وفي باله الأسباب فقط يعطي في الدنيا ، والذي يعمل وفي باله خالق الأسباب يعطي في الحياتين ؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ . .} [النور: 39]
والسراب الذي تمشي له متخيلاً أنه ماء فإنك حين تصل إليه لا تجده شيئاً ، هكذا الكافر يوم القيامة ، يفاجأ بأن الله موجود ، وجد الله سبحانه الذي لم يؤمن به ، ويطلب من الله الأجر فيقال له: أجرك مما عملت له . وما دمت لم تعمل لله فلا يوجد لك أجر في الآخرة ؛ لأن الله هو الذي يجزي في الآخرة .